رواية من العالم الآخر

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

رواية من العالم الآخر روايتي الأولي

طفلتي الاولي التي اعتز بها

قد يراها البعض جيدة

وقد يراها البعض بشعه او مملة او اسوء من ذلك

ولكنها ستظل دائما الاروع علي الاطلاق بالنسبة لي

(فؤاد طنطاوي)

إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا

ويجدي نفعا انتظر وقته المناسب رواية من العالم الآخر

سدهارتا غوتاما

الهند 480 ق.م

الهند

هذا البلد الثرى بالجمال و المناظر الطبيعية و الحيوانات البرية و الثروة البشرية

هذا المجتمع الكبير المليء بالثقافات و الديانات و اللغات المتعددة

نحن الآن في القرن الخامس قبل الميلاد ننظر الي هذا الرجل الجالس تحت شجرة التين ليتأمل

انه الحكيم سدهارتا غوثاما او المتأمل الشهير الملقب ببوذا

 كان والِدُه حاكما على احد الممالك الصغيرة و تربَى الأمير الشاب في رعاية والده

عاش حياة باذخة حتى بلغ سن التاسعة والعشرين فشعر حينها كم كانت حياته فارغة

فتخلي عن الملذات ليبحث عن (الاستنارة) ليتخطي دورة التناسخ (حسب التقاليد الهندوسية)

قام “غاوثاما” بممارسة اليوغا وأخضع نفسه لتمارين قاسية وكان الزهد شعاره في ذلك الوقت

و لكنه تخلى عن هذه الطريقة التي لم تعُد تقنعه واتبع طريقا وسطا بين الحياة الدنيوية و حياة الزهد

وفي إحدى الليالي بلغ حالة الاستنارة وأصبح بوذا أي (المستنير)

ثم اخذ يدعو لمذهبه وأسس طائفة من الرهبان عرفت باسم “سانغا” و تفرغ لتعليم الناس حقيقة دعوته

تجدر الإشارة إلى أن اللفظ الأصلي لمؤسس الديانة البوذية (بوذا) هو “بودا” بالدّال وليس بالذال

دعونا من هذا و لننتقل إلي مكان أخر و زمن أخر. رواية من العالم الآخر

****

إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب

سدهارتا غوتاما

الفصل الأول

بداية ام نهاية

أبدأ معكم الآن في سرد هذه القصة الغريبة، التي حدثت لي و التي لن تصدقوها أو ربما تصدقوها فالأمر سيان.

مادمت متأكداً من أنها حقيقية، و أنها حدثت لي أنا شخصياً. رواية من العالم الآخر

في البداية أحب أن أعرفكم بنفسي قليلاً.

 اسمي هو (امجد فاروق)، شاب في أوائل الثلاثينات، أعزب و اعمل كمحاسب في شركة مقاولات صغيرة بالقاهرة.

 لا ازعم أنى وسيم ولكني اظن ان مظهري مقبول نوعا ما.  وعلي كل حال أنا لا اهتم بهذه الأشياء، ولا أظن أنها قد تهمكم أيضا.

أقيم مع أسرتي المكونة مني انا بالاضافة الي  أمي و أبي و أخ اصغر منى ببضع سنوات . رواية من العالم الآخر

نسكن في احد أحياء القاهرة القديمة الفقيرة طبعا، و لكن ذات الطابع الدافئ الذي يشعرك بالألفة و يحفر في روحك ذلك الإحساس القوى بالانتماء 

تلك الاحياء الجميلة التي غفل عنها الزمن، فبقيت علي حالها كما كانت دائما، حيث كانت الحياة أسهل و الناس أفضل.

انتم تعرفون هذه الأحياء المفعمة بالعبق، عبق الأصالة و الماضي، تلك الرائحة التي تستطيع ان تتنشقها بروحك لا بأنفك.

تلك الاحياء حيث يمكنكم أن تشاهدوا بائع (العرقسوس) و هو يعزف تلك الألحان الجميلة من اسطوانتين نحاسيتين يستخدمهما ببراعة منقطعة النظير كعازف اوركسترا محترف، و يمكنكم ايضاً أن تشاهدوا المقاهي الشعبية حيث تملأ رائحة التبغ المكان.

وكذلك لا يفوتكم ملاحظة هذا البائع العجوز وهو يمسك بخرطوم المياه ليبلل الارض بالماء أمام دكانه البسيط وهو يتجنب اصابة المارين ببراعة يحسد عليها، بائع الفول علي عربة صغيرة، و بعض الأطفال يلعبون الكرة وهم حفاه و شبه عراه.

هؤلاء هم الفتيان طبعا .

فالفتيات يفضلن لعب ( الأوله )، هذه المربعات التي ترسم علي الأرض بالطبشور. ثم يأتين بحجر يدفعنه بأقدامهن بين هذه المربعات و هن يتواثبن علي قدم واحدة.

هذا الجو المحبب الجميل الذي يوشك علي الانقراض، و الذي يعتبر هذا المكان و بعض الأماكن القليلة المماثلة ملاذه الأخير .

نحن من الطبقة المسماة بالطبقة المتوسطة، و التي كادت أن تنقرض أيضا .

أو انقرضت بالفعل من المجتمع .

الطبقة التي كانت تحتل المساحة الموجودة ما بين الفقراء و الأغنياء، و التي اخذت تهوى بقوة حتى وصلت إلي درجة الفقر أو ربما اقل من ذلك .

 لولا أن أصحاب هذه الطبقة يمتازون بكميه لا بأس بها من الكرامة و عزة النفس.

والتي تمنعهم من التسول و مد أيديهم، علي الرغم من أن بعض المتسولين هم بحق أكثر ثراء منهم بكثير.

اود الآن ان اعرفكم علي أمي

أمي هي التعريف الحقيقي لكلمة  ربه منزل و التي لن تجد خيرا منها كمثال عملي ليوضع في القاموس أو المعجم ليصف هذه الكلمة.

فهي الطيبة و النشاط و الرعاية و الاهتمام و التدين وما إلي ذلك من الأوصاف التي لا تعد ولا تحصي و التي نختصرها نحن دوماً بكلمة ربة منزل .

أما أبي فكان موظفا بسيطا، انفق كل ما يملك و ما لا يملك لكي يربينا أنا و أخي و يعلمنا التعليم المحترم الذي يضمن لنا حياه كريمة.

ولذلك فلم يعد يملك أي شيء من حطام الدنيا .

سوى شقتنا الصغيرة المتواضعة و التي هي بالمناسبة شقة إيجار ولكنها إيجار مفتوح بمبلغ زهيد نوعا ما مقارنة بالأسعار هذه الأيام و هو ما نسميه نحن (إيجار قديم) .

 هذا بالإضافة إلي معاشة الضئيل، والذي يتضاءل أكثر بعد شراء الأدوية الشهرية التي يحتاج إليها دورياً له و لأمي.

 فلا يتبقى سوى ما يستطيع أن يسد رمقنا لبقية الشهر من الطعام أو لا يستطيع .

اما بالنسبة لشقتنا  الصغيره فهي عبارة عن غرفتين صغيرتين و غرفة للمعيشة بالإضافة إلي المطبخ و الحمام طبعا.

إحدى الغرفتين لأبي و أمي و الأخرى لي أنا و أخي.

غرفة المعيشة بسيطة جدا عبارة عن (كنبة سحارة) وهى من قطع الأثاث العجيبة التي يمكنك إخفاء فيل كامل بداخلها لو أردت.

بالإضافة إلي جهاز تلفاز صغير و ثلاجة قديمة تقبع جميعها فوق سجادة مهترئة جداً بفعل الزمن.

غرفة أمي و أبي عبارة عن فراش كبير ذو أعمدة نحاسية طويلة من المرجح أنكم قد قرأتم عنه من قبل في احد كتب التاريخ.

و دولاب ضخم لم تعد أبوابه تعمل كما كانت في السابق، فلا يمكنك فتحه إلا و تجد ابوابه قد انفصلت تماما من مكانها و واستقلت بنفسها .

ولذلك فقد امتلأت المرايا علي هذه الأبواب بالشروخ و فُقدت أجزاء عديدة منها للأبد. 

أما غرفتي أنا و آخى فكانت عبارة عن فراشين صغيرين و دولاب صغير.

الدولاب حالته ليست بأفضل من حالة أخيه الأكبر في الغرفة الأخرى، و لكنه بلا مرايا مكسورة وهذه ميزة جيده كما نرى.

هذا الدولاب البائس هو خاص بي وحدي .

هذا لأن أخي يستعمل فراشه كدولاب، فيكدس عليه جميع ملابسه، و هو بالتالي يفضل النوم في غرفة المعيشة علي  هذه ( الكنبة ) التي تكلمنا عنها سابقا.

المطبخ عبارة عن موقد قديم لا تعمل فيه سوي شعلة واحدة، و قد كفت أمي عن استعمال (الفرن) بعد أن كاد يودى بحياتها مرتين من قبل .

بالإضافة إلي (نملية) معدنية اكتست بالصدأ في العديد من الأماكن، و لا يتبقى سوى الحمام و هو لا يستحق الشرح .

يكفى أن أقول أن اتساعه عبارة عن متر واحد مربع، لم تكن بالشقة شرفة فالمساحة لا تسمح بهذا.

عذرا علي إطالة الوصف .

و لكني أردت أن أوضح لكم كيف نعيش، لم يكن الوضع ممتازاً كما ترون، و لذلك فقد قبلت بالعمل لدى هذه الشركة الصغيرة .

بالطبع بمرتب صغير طبعا ولكنها كانت الوظيفة الوحيدة التي استطعت الحصول عليها لأساعد في مصروفات المنزل.

وهذا طبعا يوضح لكم عدم زواجي حتى الآن وقد تجاوزت الثلاثين من العمر.

 فهذا ليس زمن المعجزات علي ما يبدو.

أما أخي فلم يكن يعمل للأسف، حيث لم يجد أي وظيفة مناسبة بعد.

أخي يدعى ( اسعد ). 

وهو شاب لطيف مرح و إن كان ينقصه التفاؤل نوعا ما، وهو بالمناسبة خريج كلية الحقوق جامعة (………).

لم يستطع الالتحاق بأي وظيفة في القطاع الحكومي، ولم يتمكن من تحمل العمل بمكاتب المحامين .

حيث العمل صباحا في المحاكم و مساء في المكتب مقابل مرتب لا يكفى حتى ثمن المواصلات. ا

و هو دائما يقول :

لن اعمل بدون اجر مجزي فأنا لا اريد ان احصل علي اي خبرة فالخبرة لا تساوى شيء إذا ما لاحت الواسطة، و اعتقد أن منطقه مقنع بعض الشيء.

كانت الأيام تمر رتيبة و مملة.

لا يوجد أي جديد سوى الكثير من العمل و القليل من النوم ثم الكثير من العمل مرة أخرى، وهى حياه مرعبة بحق بحيث لا تترك لك أي مساحة شخصية لكي تفعل أي شيء .

ولكن في خضم هذه المعاناة التي تعصف بحياتي كانت هي طاقة النور التي تبعث الأمل و الحياة في وسط هذا الواقع المحبط.

من هي ؟

أنها سلمى بالتأكيد.

هذا امر لا يحتاج الي الكثير من الذكاء لإدراكه، (سلمى سليمان) هي فتاه في الخامسة و العشرين من العمر. رواية من العالم الآخر

إلا أن وجهها الملائكي و ضحكتها الطفولية المرحة و بساطتها المفرطة و التي لطالما وضعتها في مواقف محرجة عديدة قد جعلتها تبدو اصغر من ذلك بكثير.

إذ لا يمكنك إلا أن تتصور أنها لم تتجاوز العشرين من عمرها بعد، و هي  بالمناسبة  جارتنا، وهى أيضا زميلتي في العمل.

في الحقيقة هي من رشحتني للعمل في هذه الشركة، و هي و الحق يقال نشيطة و مجتهدة في عملها، مما يجعلها تحظى باحترام الجميع في الشركة.

انه الحب العتيد.

 حيث يهيم الفتى بأبنة الجيران الجميلة .

ماذا ؟ هل هي أيضا تحبني ؟

لا لا دعكم من كل هذه الخرافات .

إنها تصغرني ربما بسبع أو ثمان سنوات.

 اعلم أن فارق السن مناسب جدا، و لكنها اعتادت دوما علي أن تناديني (أبيه امجد)، فمنذ أن عرفتها في طفولتها و أنا أمثل لها الأخ الأكبر، الذي يدافع عنها عند اللزوم أو يشرح لها ما يصعب عليها في الدراسة، أو يسدى لها النصح فيما يطرأ لها من مشكلات .

لم يكن لها إخوة فقد كانت وحيدة توفى والدها وهى بعد طفلة ، فتولت أمها تربيتها وحيدة معتمدة علي المعاش الذي خلفه لها الزوج .

كانت سلمى هي كل ما يملئ حياتي الكئيبة في هذه الفترة ، كانت هي التي تضيء غياهب ظلمات حياتي البائسة.

حياتي الممتلئة بالمشاكل و العراقيل، و التي لطالما اعيتني الحيل في التوصل الي حلول لها.

بالمناسبة .

لقد كانت طريقتي للحصول علي حلول للمشاكل التي تواجهني غريبة قليلاً، فإذا كانت هناك مشكلة تؤرقني و تشغل بالي فعندما يدق جرس التنبيه لكي استيقظ صباحا اضغط علي زر الغفوة، و اترك لنفسي هذه الدقائق العشر لكي أفكر في حل لهذه المشكلة.

فإذا استطعت أن أتوصل للحل تأتي المكافئة الفورية في صورة غفوة جديدة لمدة عشر دقائق أخري.

وإذا لم أجد الحل فينبغي علي أن انهض بدون غفوة أخرى، ودائما ما كنت أجد الحل الأمثل لكي أحظى بالعشر دقائق الإضافية.

لكنى بعد ما استقيظ كنت أجد أن هذه الحلول مجرد خداع نفسي للحصول علي المكافئة لا اكثر.

علي سبيل المثال كنت أفكر يوميا في كيفية تدبير المال للحصول علي ثياب جديدة. 

و قد كان الحل عبقريا حقا و مبتكراً أو هذا ما ظننته حينها لأحظى بالدقائق العشر الإضافية.

كان الحل هو لماذا لا ابحث عن (ديناصور) لاصطياده ومن ثم بيعه لأحد متاحف التاريخ الطبيعي، صدقوني حينها بدى هذا الحل عبقريا بشدة لا أدرى كيف.

دعنا من هذا الهراء الآن. و لنكمل روتين حياتي المعتاد. رواية من العالم الآخر

فأنا استيقظ من نومي فاتصل بسلمي لكي تستعد للذهاب معي إلي العمل.

ثم افعل ما يجب علي فعله قبل الذهاب للعمل، هذه الأشياء مقدسة كما تعلمون، الاطمئنان علي أبى و أمي و التشاجر مع أخي قليلا و ما إلي ذلك.

ثم أمر علي سلمى لكي اصطحبها إلي العمل،  مستقلين تلك الحافلة المزدحمة، و التي تعتبر كابوس لفتاه صغيرة بريئة وحيدة مثلها.

و كثيرا ما كانت تشكرني بكثير من الامتنان مرددة عبارات من نوعية :

 لا ادري كيف كان سيكون حالي بدونك، بالتأكيد كان ليتم اختطافي في غضون خمس دقائق.

ثم تبتسم تلك الابتسامة الرقيقة، التي تجعل قلبي يرقص طرباً، ثم نصل للشركة أخيراً.

شركة صغيرة من شركات المقاولات، في الواقع هي اقرب لشقة منها لشركة.

في الواجهة و مقابل الباب مباشرة يقع مكتب سلمى، فهي السكرتيرة المسئولة عن تنظيم العمل و مقابلة العملاء.

ثم علي اليمين غرفة مدير الشركة، ببابها الزجاجي الأنيق و المكتب الكبير الفخم و اللوحات الجدارية التي تصور ناطحات سحاب عملاقة.

طبعا لا يمكن لهذه الشركة أن تبنى مثل هذه المباني العملاقة، ولا حتى عشرها بالتأكيد، و لكن جرت العادة علي أن أي شركة مقاولات ذات كرامة لابد و أن تضع مثل هذه الصور.

بعد مكتب المدير مباشرة تأتى غرفة الحسابات حيث اعمل مع ثلاث موظفين آخرين.

مكاتب صغيرة و دولاب كبير لحفظ المستندات و ماكينة تصوير قديمة عملاقة كفت عن العمل منذ دهر.

في الواقع لم أرها يوما و هي تعمل، ولكن من الواضح أنها كانت تعيش أيام أفضل في الماضي. 

علي اليسار هناك حمام صغير تليه غرفة البوفيه،  و التي هي عبارة عن (حوض) صغير و موقد مسطح لا غير.

نبدأ في العمل فور وصولنا.

فنذوب في دوامة لا تنتهي من الاعمال حتى يأتي موعد الانصراف وقد نال منا التعب و الإرهاق .

فأمر منهكاً علي سلمى مجددا لاصطحابها للمنزل، و أعود لأفعل ما علي فعله بعد العودة للمنزل .

هذه الأشياء مقدسة كما تعلمون.

 الاطمئنان علي أبى و أمي و التشاجر مع أخي قليلا و ما إلي ذلك.

ماذا تقولون؟

هذه الأشياء هي ما افعلها قبل الذهاب إلي العمل، لا ادري لماذا تدققون في مثل هذه الأشياء البسيطة.

إنها أشياء مقدسة كما تعلمون.

لذلك ككل المقدسات فهي تتكرر كثيرا.

لا طبعا لا اشترى مستلزمات المنزل، فأخي من يقوم بهذه المهمة، لأنه لو لم يفعل ذلك لكان شيطاناً حقيقياً. و لم يكن كذلك و لله الحمد .

ثم اذهب إلي الفراش لكي أنام بعد أن أفكر كثيرا في سلمى، لم أصارحها أبدا بما اشعر به. لأنه لا طائل من ذلك .

فلن استطيع أن احصل علي ما يكفى لتكاليف الزواج قريبا، لربما بعد عشر سنوات قد أكون مستعداً، ولكنها بالتأكيد ستكون قد تزوجت و أنجبت. 

 و ربما أقابلها يوما و هي تعيد أطفالها من المدرسة وأنا لم أتزوج بعد، ولكن كل هذا لم يستطع أن يجعلني أتوقف لحظة عن التفكير بها.

أشياء كهذه هي ما تجعل الحياة محتمله قليلا. رواية

 و ربما لو تزوجت سلمى أو انتقلت إلي أي مكان آخر أن اجن أو انتحر.

 و لندعو الله أن أكون أكثر تماسكاً و عقلاً من أن اختار احد هذين الخيارين، لأن احتمال أن تذهب سلمى لهو كبير بالتأكيد.

مرت حياتي علي هذه الوتيرة السعيدة. حتى جاءت المفاجئة التي زلزلت حياتي.

****

في يوم من الأيام المتشابهة التي لربما ملت منى أكثر مما مللت أنا منها .

جاءت أم سلمى و هي تبتسم ابتسامة كبيرة، فتوجست خيفة . رواية من العالم الآخر

فأنا لم أراها تبتسم قط . إلا في مرات قليلة جدا ربما تعد علي أصابع اليد الواحدة. 

عندما زارها زوجها المرحوم مرة في أثناء نومها و عندما أقرت الدولة زيادة استثنائية للمعاشات و عندما أنهت سلمى دراستها .

و هذه المرة علي ما اذكر.

جاءت فاستقبلتها أمي بالترحيب و القبلات كما هو المعتاد، دعتها للجلوس لكنها رفضت قائلة أنها مشغولة قليلا.

 و قالت أنها أرادت أن نكون أول من يعلم بهذا الخبر السعيد لأننا أكثر من أهل و الكثير من الكلام الذي لم اسمع منه حرفا واحدا.

 فقد أدركت الموقف مما أصابني بالذهول و الصدمة

عدت إلي غرفتي و أخذت أراجع  نفسي فأنا لم أدرك كم كنت أحب سلمى إلا الآن ، أن تكون سلمى إلي جواري حتى و إن لم تكن لي.

 كان هذا الشعور يمدني بالأمل و الرغبة في الحياة، أما الآن فقد انبثق الدم لينزف بغزارة من جراح قلبي التي كانت تتظاهر بالاندمال.

أدركت أن الجنون أو الانتحار لهو ترف.

ترف لا يحق لمثلي أن يفكر فيه، فمن سيرعى أمي و أبى.

إن هذه الأسرة لسوف تنهار إذا ما قررت أن أكون أنانياً لهذه الدرجة، وهم الذين يعتمدون اعتمادا كليا علي القروش التي أعطيها لهم أول كل شهر.

لا ادري كم ظللت غارقا في أفكاري السوداء، لكنى أفقت علي صوت أمي و هي تقول لي:

لا تحزن يا امجد فكل هذه الأمور ( قسمة و نصيب)، فنظرت لها و قد بدأت أدرك ما حولي قليلا و قلت:

عن ماذا تتحدثين ؟ 

بالطبع لا يوجد شيء.

فقالت لي :

إياك أن تحاول أن تخفي عني أي شيء مرة اخري لأني سأعلم مهما حاولت ان تتظاهر بالعكس، فإذا لم تشعر أمك بما يصيبك فمن سيشعر إذاً.

فسكت ولم أرد، و أنا أحاول جاهدا أن امنع تلك الدمعة التي بدأت تتجمع في عيني من الانفلات، و لكنى لم استطع عندما ضمتني أمي إليها.

فوجدتني و قد انهمرت في بكاء مرير. رواية من العالم الآخر

****

تمت الخطبة الميمونة في احد النوادي التي تطل علي النيل في القاهرة .

كان( عصام المحلاوي) عريس ممتاز . 

فهو مهندس معماري عمل فترة لا باس بها في الخليج ، و حقق نجاحا لا باس به، و طبعا النجاح يعنى المال .. الكثير من المال .

و هو وسيم إلي حد ما . بالطبع ليس كـ (براد بيت) أو (توم كروز)، و لكن علي الأقل هو أكثر وسامة مني أو هكذا اعتقدت أنا .

بالطبع لم أجسر علي حضور الخطبة، و قد زعمت بأني مريض لكي أتجنب هذه اللحظات المريرة.

إنها النهاية علي ما أظن.

 فهذا الوغد المسمى ( عصام المحلاوي ) هو فتى الأحلام بالنسبة لأي فتاة ، و لذلك أرى انه من الصعب بل هو المستحيل بعينه ألا تتم هذه الزيجة السعيدة .

لذلك فقد فقدت كل الأمل في أن احظي بالسعادة يوما ما.

****

عندما عاد أخي من الحفلة السعيدة، وهو بالطبع لا يعلم شيء عن حبي لسلمى، ظل يردد علي مسامعي كل ما كنت اكره سماعه بحق.

كيف كانت سلمى سعيدة إلي أقصى حد،  و كيف كانت الحفلة رائعة، و كيف كانت مظاهر البذخ و الترف التي لن استطيع حتى تخيلها.

ناهيك عن استطاعتي تحقيقها يوما ما، بالطبع كان هذا يفوق قدرتي علي الاحتمال بمراحل، فانفجرت فيه غاضبا و أنا أقول:

أنا لا اهتم حقا بكل هذا الهراء، لا دخل لي بذلك.

فتفاجئ أخي من رد فعلي و قال لي و الذهول يعترى ملامحه:

 ظننت انك ستكون سعيدا لسلمى . 

فقلت له و أنا ما زلت غاضبا: بالطبع أنا سعيد و لكني مرهق و مريض، و لا استطيع أن اسمع كل هذا الكلام الفارغ الآن . دعني و ليكن هذا الكلام فيما بعد .

ثم جاءت أمي لتأخذه قائله : هيا يا (اسعد)، دع أخاك الآن فهو ليس علي ما يرام، و لم تنسي أن تنظر لي نظرة لوم و هي تغادر.

 قرأت فيها : ما ذنب أخوك المسكين في كل هذا هو لا يعلم شيء.

طبعا أنا أدرك هذا الكلام ، و لكن لم تكن لي أي سيطرة علي مشاعري في ذلك الوقت .

****

في الصباح التالي اتصلت سلمى لتطمئن علي احوالي لأني لم اذهب إلي الخطبة ، كما أنهم أخبروها بأني متوعك قليلا.

فأخبرتها بأنها وعكة صحية بسيطة لا تدعوا للقلق، و بأنى سأكون علي ما يرام،  لكن طلبت منها أن تطلب لي إجازة لمدة يومين من العمل لأني بحاجة إلي الراحة قليلا .

فاخبرتني بحماس بأن لا اقلق و قالت أنها ستمر للاطمئنان علي  صحتي بنفسها بعد العمل.

طبعا لم تكن لتستطيع أن تأخذ إجازة من العمل لان خطبتها كانت بالأمس، فهذه الأشياء لا تحدث في القطاع الخاص، هذا الترف لا يحدث في الحياة الحقيقية .

لقد كان المدير طيب القلب لدرجة انه سمح لها بإجازة لمدة يوم واحد فقط هو يوم الخطبة ، و لم تكن هي لتحلم بأكثر من هذا.

 و أما بالنسبة لإجازتي فينبغي أن احضر شهادة مرضيه عند عودتي للعمل . و إلا فالويل لي.

ولكن و لله الحمد كان احد أصدقائي القدامى قد أصبح طبيبا في احد المستشفيات الحكومية، و الذي لم يكن ليبخل علي بمثل هذه الشهادة البسيطة.

لماذا تنظرون اليّ هذه النظرات ؟ رواية من العالم الآخر

اجل اعلم أن هذا العمل مشين، و انه لا يجب أن افعل مثل هذه الأشياء. و لكن لم يكن أمامي حل آخر.

****

عندما سمعت صوت سلمى و هي تتحدث مع أمي في الخارج، انتابتني مشاعر متضاربة . 

اجل أتمنى أن أراها و ان اسمع صوتها، حقاً اتمني ذلك بشدة. و لكن كذلك ارجوا أن لا يحدث هذا الامر، لربما بنفس الشدة التي اتمني ان يحدث بها.

أحبها اجل أحبها بجنون، وبنفس المقدار او ربما اكثر قليلا اكره نفسي، اكره ضعفي و اكره فقرى و اكره حياتي بأكملها .

سمعت أمي و هي تخبرها بأني متعب و نائم الآن، وقد أراحني هذا كثيرا. فلست مستعدا لهذا اللقاء بعد .

ثم سمعتها و هي تغادر، شعرت بأني أريد أن اصرخ بها أن تبقى، أن لا تتركني وحدي في معاناتي و آلامي .

و لكن لم تتردد هذه الصرخة البائسة سوى بين ضلوعي، و عجزت أن تقتحم جدار شفتاي المغلقتان.

ثم جاءت أمي لتخبرني بأن سلمى قد جاءت لتطمئن علي، و أنها قد قدمت لي الإجازة المرضية، و أنها ستمر مرة أخرى في المساء بعد أن أكون قد استيقظت من النوم.

ثم قالت لي بحنان : يجب أن تنسي يا امجد وغداَ ستجد من هي أفضل منها بالتأكيد.

فقلت لها: أنا أحاول يا أمي، أحوال نسيان كل شيء بعقلي، و لكن قلبي لا يستطيع ذلك. هو فقط لا يستطيع.

اقسم لك بأني قد حاولت كثيرا، الا انني قد فشلت، فشلت فشلا ذريعاً يا أمي.

فقالت لي بحنان : دع الامر للوقت، فالزمن كفيل بجعلك تنسي كل شيء. رواية من العالم الآخر

و تركتني وحدي و انصرفت فبدأت احاول أن الملم شتات نفسي، فلا أريد أن تظهر عليّ أي مشاعر عندما تأتى سلمى.

****

عندما جاءت سلمى في المساء، كنت أنا قد استعدت رباطة جأشي، وقابلتها بابتسامة عريضة و أنا أقول :

خطبة مباركة يا سلمى، أتمنى لك السعادة من كل قلبي، تردد هذا الهاجس في عقلي حينها.

هل كنت صادقاً فيما قلته حقا ام كنت كاذباً ؟

ادركت حينها اني كنت الاثنين في نفس الوقت، لقد كنت صادقاً و كاذباً. 

فأنا أتمنى لها السعادة من كل قلبي حقاً، ولكنى لا استطيع أن أتمناها لها مع شخص غيري، بالطبع اعتذرت عن عدم استطاعتي الحضور للخطبة متعللا بصحتي و ما إلي ذلك.

فقالت لي : أنا اقدر الموقف و أتمنى لك الشفاء العاجل، ثم سكتت قليلا و قالت وهى تبتسم: و لكني لن اقبل أي اعتذار في موعد العرس.

فقلت لها باسما: بالطبع إن شاء الله.

ثم أخذت تقص علي ما حدث في العمل و اخبرتني عن تلك الإجازة المرضية التي تقدمت بها بالنيابة عني وما إلي ذلك.

 و هنا جاءت أمي و هي تحمل أكواب الشاي فرحبت بها مرة أخرى، ثم ذهبت لتفعل بعض الأشياء التي تفعلها الأمهات عادة، و التي لابد إنكم تدركونها جيدا

و عند ذلك قالت لي سلمى : ما بك ؟ اشعر بأنك لست علي ما يرام، ليست قصة مرض و إنما شيء أخر. هل هناك ما يزعجك؟

قلت في نفسي: كم انت ذكية يا سلمي ونقية القلب، فتدركين الأمور فورا مهما حاولت ان اخفيها عنك، فحتي و ان استطعت اخفاء الامور عن عقلك فلن استطيع اخفاءها ابدا عن قلبك. حاولت ان ابدو طبيعيا و انا اتظاهر بالدهشة .

ثم أخبرتها أنى فقط مرهق قليلا، اردت ان اغير دفة الحديث الي منحي اخر. 

فسألتها عن احوال خطيبها و انا اتظاهر بالاهتمام،  فبدأت تحدثني عن هذا المدعو (عصام المحلاوي)، و تصف لي أدق التفاصيل عن حياته و عمله و أخلاقه و طباعه وما إلي ذلك، وهذا طبعا بحكم أنها تعتبرني أخ اكبر لها، و طبعا كانت ترجوا النصيحة.

ولكن لو تعلم الحقيقة لعرفت أنى أخر من يمكن أن احكم علي هذا الشخص المدعو عصام. فأنا امقته بجنون .

بالرغم من أنى لم أره إلا مرة واحدة عابرة أمام المنزل و هو يغادر بعد زيارة قصيرة لسلمى قبيل الخطبة السعيدة.

ولو علمت سلمى مشاعري نحو هذا الشخص المهذب  لذابت رعبا و هلعا، ولذلك أثرت الصمت، ولم ابد لها أي رأى في كل ما قالت.

إلا عبارات مقتضبة بها نوع من المجاملة . 

و عندها قامت لتستأذن في الانصراف، و ذهبت إلي المطبخ لكي تحيي أمي قبل انصرافها، ثم غادرت في هدوء.

غادرت كما يغادر النسيم و كما تغادر الروائح العطرة و كما تغادر الطيور المغردة . رواية

غادرت و تركت في نفسي هذا الإحساس الذي لم أستطع تحديده بالضبط ، ولكنه في الغالب كان مزيجاً من الإحباط و اليأس و الألم.

****

إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب 

سدهارتا غوتاما

الفصل الثانيِ

امواج الحزن

عندما رحلت سلمي اتصلت بصديقي ( سمير الطيب ).

هذا الطبيب الذي حدثتكم عنه سابقا لأطلب منه هذه الشهادة المرضية كما تعلمون.

بعد التحيات و المداعبات التقليدية التي نتبادلها دائما أخبرته بموضوع الشهادة المرضية التي أريدها.

فقال لي بقلق: هل انت مريض؟

فقلت له بتردد: لا لست مريضاً و لكني في حاجة الي القليل من الراحة فقط.

فتنهد في ارتياح .

ثم أخبرني بألا اقلق بشأن الشهادة المرضية. و اخبرني بأن أمر عليه في اي وقت  لكي اتسلمها.

ثم أردف قائلا: لماذا لا تأتي معي يا امجد إلي الإسكندرية، لقد حصلت علي إجازة لمدة يومين قررت أن اقضيهما في شقتي (بالعجمي).

و أري انك أيضا تريد الحصول علي إجازة، فلماذا لا تأتى معي. 

فكرت في أنها فكرة جيدة.

فقلت له: حسنا متى ستذهب.

فقال: الآن. جهز حاجياتك و قابلني بعد ساعة عند منزلي.

بالفعل جهزت حاجياتي و أخبرت أمي باني سأذهب إلي الإسكندرية لمدة يومين، ودعتني امي بالقبلات و الدعوات الحارة .

ذهبت مسرعا لمقابلة صديقي، ثم انطلقنا بسيارته إلي الإسكندرية .

ظل  ( سمير ) يثرثر طوال الطريق، إلا أني لم أكن منصتا لما يقول، ظللت أتمتم بما يعنى أنى أتابع الحديث، إلا أني كنت مستغرقا في أفكاري الخاصة.

شعر أخيرا بأني لا أصغي له، فقرر الصمت و تركني لخواطري حتى وصلنا. 

عندما وصلنا أخيرا قال: نحن الآن متعبون من السفر فلننم و غدا صباحا نذهب إلي الشاطئ.

فأخبرته بأني لا اريد النوم، فقط أريد الذهاب إلي الشاطئ . 

تعجب هو من هذا الحماس الزائد ولكنه أعطاني المفتاح و دخل إلي الغرفة لينام.

رفعت عيناي لأتأمل الشقة، لم يكن بها اي شيء مميز.

كانت شقة بسيطة صغيرة من هذا الطراز الذي لا يصلح سوي للاستخدام ( كمصيف ) فقط .

 وضعت حقيبتي ارضا و انصرفت متوجها مباشرة نحو البحر، جلست في الظلام أراقب الأمواج المتكسرة. رواية

لاشيء في العالم يستطيع احتواء الألم و المعاناة مثل هذا المنظر الخلاب، الظلام و الرذاذ البارد و رائحة اليود و نسيم البحر الذي يتخلل مسام جسدك ليشعرك بالرهبة و الغموض.

كم يحوي هذا البحر من أسرار.

 كم من عاشق ملكوم قد أتي إليه ليفضي له بما يجيش في صدره. 

كم سمع من أبيات الشعر و قصائد الغزل.

كيف استطاع أن يصغي للجميع بدون ملل .

الميزة العظمي لدى هذا البحر هي الكتمان، تستطيع أن تروي له كل شيء من دون أن تقلق من إفشائه لأي سرولكن يبدوا أن ما يحمله من أسرار رهيب بحق، مما يدعوه إلي الغضب و الثورة أحيانا . ليجد لنفسه متنفسا من كل هذه الأسرار التي تثقل كاهله.

****

ظللت طيلة اليومين اللذين قضيتهما في الإسكندرية و أنا أراقب البحر صامتا .

كان صديقي سمير متفهما حقا، لم يثقل علي بالأسئلة و لم يقاطع تأملي . و لكنه في طريق عودتنا إلي القاهرة سألني قائلا:

ما بك يا أمجد؟ هناك ما يشغل بالك بشدة ولا تريد أن تتحدث عنه. رواية من العالم الآخر

فقلت له: أبدا لا يوجد شيء و لكنى فقط قلق علي المستقبل قليلا. لم استطيع أن اخبره بما يجيش في صدري.

حاولت ذلك كثيرا. 

كنت في حاجة إلي المشورة في حاجة إلي شخص ما ليشاركني معاناتي، لكنى لم استطع ذلك . لقد اكتفيت بما همست به للبحر في هذه المرة .

لربما في مرة أخري ووقت أخر .

هز سمير رأسه بما يعنى عدم الاقتناع، لكنه اثر الصمت كالعادة، وظللنا في هذا الصمت حتى عدنا إلي القاهرة.

*****

بعد أن عدت من الإسكندرية بدأت في ممارسة حياتي الطبيعية مرة أخرى . رواية من العالم الآخر

الاستيقاظ من النوم ثم الضغط علي زر الغفوة للبحث عن حل لمشكلتي الجديدة . وفي كل مرة كان هو نفس الحل.

لابد من أن تقتل نفسك فورا. لم يعجبني الحل بالطبع لذلك لم أعطى نفسي أي مكافئة إضافية.

عندما أفكر في الأمر مرة أخرى أجد أن هذا الحل لم يعجبني لأنه كان الحل الوحيد الصحيح و الذي لا يوجد حل أخر سواه.

عموما لقد عدت للذهاب للعمل مع سلمى كالمعتاد، ثم العودة من العمل و النوم ايضا كالمعتاد؛ لكن لم يعد شيئا كما كان.

 فالطريق إلى العمل بصحبة سلمى و الذي كان يمر في لحظات أصبح طويلا و شاقا، و الفترة التي اقضيها معها و أنا اشعر بالسعادة .

و التي لطالما تمنيت أن تصبح أطول،  صارت كذلك بالفعل؛ و لكن بدلا من السعادة أصبحت مليئة بالألم و العذاب.

لاحظت سلمى تبدل طباعي، علي الرغم من حرصي الشديد علي ألا اظهر لها ذلك . و سألتني أكثر من مرة .

و لكنى كنت أجيب بأنها ضغوط العمل و ما إلي ذلك. أصبح تركيزي في العمل ضعيفاً جدا،  و كل زملائي لاحظوا ذلك و كذلك مديري أيضاً .

لقد لاحظ الأخطاء الساذجة التي كنت أقع بها، و شرودي الدائم و عدم التركيز الشديد الذي أصبح ملازماً لي دوماً.

عندما أخطأت احد هذه الأخطاء المتكررة مرة أخرى أمام المدير.

وهو بالمناسبة يدعى أستاذ ( ماجد سرور )، إنسان مهذب خلوق لكنه لا يتهاون في ما يخص العمل مطلقاً.

 حينها قال لي بغلظة: أستاذ امجد نحن في عمل، و المشاكل الشخصية لا مكان لها هنا ولو استمرت هذه الأخطاء فأنا اعتذر منك.

لن استطيع أن ادعك تستمر في العمل.

بالطبع كان ردى الكثير من الاعتذارات و الوعود بعدم تكرار هذا الأمر. فأنا في أمسّ الحاجة إلي هذه القروش التي أتقاضاها.

قبل هو علي مضض هذه الكلمات قائلا: حسنا يا أستاذ امجد سنرى.

****

كان (محمد علم) صديقي المقرب في العمل. و عندما لاحظ هذا التغير الفظيع الذي ألم بي في الفترة الأخيرة.

 انتحى بي جانبا و قال لي: إن ما تفعله لهو دليل علي ضغط نفسي كبير، يجب أن تصارحني بالحقيقة حتى تستريح فلا يمكن أن تظل الأمور علي هذا الحال، و إلا فان حياتك كلها مصيرها إلي خراب محتوم، وأعدك بأن نجد حلا لمشكلتك مهما كانت إن شاء الله.

و عندها ابتسمت له قائلا : إن مشكلتي  بلا حل .

فقال لي: حسنا احك لي ما حدث و لنرى بعدها ما يمكن ان نقوم به.

ترددت في مصارحته بالامر، إلا انني كنت في أمس الحاجة إلي أن أبوح بما يجيش في صدري.

لقد كان البحر صبورا معي ، أصغي لي كثيرا، و تحملني كثيرا، ولكنه لم يعطني أي رأي.

هو فقط يجيد الإصغاء؛ و لكنه لا يهب النصيحة.

لذلك فقد قررت أن أتخفف من أحمالي بأن أتكلم عن ما بداخلي قليلا، فقصصت عليه القصة، و لكن من دون أن أصرح باسم سلمى، و زعمت بأنها إحدى قريباتي. 

فلما انتهيت من القصة وجدته يبتسم ابتسامة عريضة و يقول لي: هذه هي القصة إذا لقد ظننتها اكبر من ذلك بكثير.

فاحمر وجهي غضباً و صحت به منذراً: إياك و السخرية من مشاعري يا هذا .

فقال لي باسماً: أنا لا اسخر من مشاعرك أبداً، و لكن عندي الحل وهو بسيط جداً .

اتسعت عيناي و أنفتح فمي في بلاهة و أنا أقول : كيف؟ أين هذا الحل ؟ قل لي بالله عليك.

فابتسم مرة أخرى وهو يقول: الم تسمع من قبل عن (محمد علم ) الذي لديه حل لأي مشكلة، انه أشهر من نار علي علم.

نظرت له نظرة نارية جعلته يبتلع دعاباته السخيفة وهو يستطرد قائلا في جدية: هل سمعت يوماً عن البرمجة العصبية و قانون الجذب.

فقلت له: إن أقصى ما اعرفه عن برامج الكمبيوتر هو الأوفيس و بعض البرامج البسيطة ليس أكثر، و أن معلوماتي عن البرمجة هي تماما مثل معلومات نمر الثلوج عن رقص التانجو.

فانفجر ضاحكا وهو يقول: لا علاقة للبرمجة العصبية بالكمبيوتر بتاتا، إنها رياضه نفسية تعمل علي تحسين الحياة ، فالإنسان يصنع قدره و ليس القدر هو من يصنع الإنسان. 

فصحت به قائلا له : كفى هراء، أنا أحدثك عن مشاكلي و حياتي التي لم تعد ولن تعود كما كانت، و أنت تحدثني عن كل هذا الهراء.

 صناعة القدر و الرياضة الروحية و البرمجة النفسية و كل هذا السخف.

ابتسم مرة أخرى و كأنه مصر علي أن يجعلني أصاب بنوبه قلبية أو سكته دماغية و هو يقول: البرمجة العصبية يا امجد.

 اسمها  هو البرمجة العصبية.

فقلت له : سواء عندي أكانت هذه البرمجة عصبية أم هادئة وديعة ما الفارق، إنها لن تعيد لي سـلـ…… اقصد سلامي النفسي، لن تعيد حياتي كما كانت.

فقال لي: بل بالعكس، ستعيد لك كل ما فقدته و أكثر؛ ولكن في البداية أريدك أن تسمع منى ما أريد قوله بدون مقاطعة.

قلت له و قد بدا صبري في النفاذ: تفضل يا أستاذ تكلم كلي أذان صاغية. رواية من العالم الآخر

فقال لي: أولا السعادة و الشقاء هما من صنع الإنسان نفسه، فأنت من تجعل نفسك سعيدا و أنت من تجعل نفسك حزينا.

إن المشاعر السلبية التي تشعر بها و تتبناها هي المصدر الرئيسي لكل  البؤس و الشقاء الذي تشعر به.

 بمعنى انك عندما تفكر في شيء حزين أو تخاف من شيء مفزع طول الوقت فانك تنتج طاقة سلبية تجذب لك كل ما هو حزين أو مفزع .

إما لو كان تفكيرك ايجابي و سعيد فانك تنتج طاقة ايجابية تجذب لك كل ما هو سعيد و مفرح. فيجب ألا تجعل مشاعر الحزن و اليأس تتملكك .

يجب أن تفكر في السعادة، فكر في كيفية الوصول إلي السعادة تأتى لك السعادة .

أو كما قال بوذا الحكيم ( إن سر صحة العقل و الجسد يكمن في أن لا تبكى علي الماضي وان لا تقلق علي المستقبل وان لا تتوقع المصائب وإنما أن تعيش اللحظة الحالية بحكمة و بتعقل للأمور).

بالطبع شكرته بشدة علي هذا الحل الثوري و الجذري، و الذي لا اعلم كيف كان سيكون مصيري لو لم ينصحني بإتباعه و أنا بادي الانفعال و السعادة، حتى إن دموع الفرحة كادت أن تغرق وجهي، وانصرفت.

****

بالطبع لم اخذ هذا الموضوع علي محمل الجد، كيف يمكن لهذه البرمجة المتعصبة أن تحل لي معضلتي؟ .

فلو قام بوذا الحكيم بنفسه من قبره و استمع لها لغير منهجه و فلسفته بالكامل، و لظل يبكى أياما وهو يتأمل، ليقوم في النهاية في هدوء لينتحر.

 بالطبع لم ينتهي الأمر عند هذا الحد. فقد فوجئت بصديقي العزيز في اليوم التالي و قد احضر لي مجموعه لا باس بها من الكتب و اسطوانات الكمبيوتر. 

و قال في حماس مبالغ فيه نوعا ما: لقد أحضرت لك بعض الأغراض لتساعدك علي فهم الموضوع أكثر.

فقلت له في بلاهة : عن أي موضوع تتحدث ؟ ، فقد كنت قد نسيت تماما هذا الأمر المشوق.

فقال لي البرمجة العصبية يا امجد، كيف استطعت أن تنسي بهذه السرعة. 

فتذكرت الأمر، و أشرق وجهي بالحبور و السرور، و تهدج صوتي من فرط التأثر و أنا اشكره بشده علي اهتمامه البالغ، و علي الأغراض الثمينة التي لن أتردد مطلقاً في مطالعتها و الاستفادة القصوى منها ، لا لن تكفيني مطالعتها فقط بل سألتهمها التهاماً.

لا أدرى لماذا لا يعرف بعض البشر متى يمكنهم التوقف عن إزعاج الآخرين، يبدو أنها جينات وراثية أو لربما هو مرض لم يكتشف العلماء له علاجا بعد.

بالطبع لم اقرأ حرفا من هذه الكتب القيمة، و لم أشاهد أي اسطوانة من هذه الاسطوانات البديعة؛ و لكنى اضطررت إلي أن أخذها معي إلي المنزل عندما ذكرني بها إثناء استعدادي للانصراف حتى لا أنساها.

مرت عدة أيام علي نفس الوتيرة ولكنى فعلا لم استطيع أن انسي سلمى . 

و كم ضبطت نفسي متلبسا و أنا مبتسم  بعد استعادة كلماتها و ابتساماتها و تعابير وجهها، ولكنى أعود فورا لأتذكر.

 إنها الآن قد صارت بعيدة جدا رغم قرب المسافات، فينتابني هذا الشعور القاسي، و اشعر بأن قلبي يتمزق و كأنما قد غرست فيه الاف النصال الحادة.

****

في احد الأيام وقعت عيني علي الكتب التي احضرها لي صديقي العزيز (محمد علم)، و التي كنت قد نسيت امرها تماما، كنت في ذلك الوقت اشعر بملل فظيع، فقررت أن أقرا احد هذه الكتب علي سبيل التسلية و تمضية الوقت.

فأخذت احدها، و كان أصغرها حجما في الواقع، و بدأت في القراءة. رواية

في الواقع لم يكن سيئاً، فهو يتكلم عن تحسين الذات، و محاولة الوصول للسعادة، و نبذ الأفكار السلبية من عنف و حقد و حزن وما إلي ذلك.

 مثل كتب التنمية الفكرية العديدة و التي كنت قد قرأت بعضها سابقا إلا انه يختلف قليلا في انه يحوى كميه اكبر من الفلسفة إلا انها  لم تكن مملة.

فقد كانت  تتحدث عن جذب الأحداث السعيدة بالتفكير الايجابي، و أن من يفكر دائما في الأفضل يحصل علي الأفضل، و أن من يتوقع الأسوأ فهو بشكل ما يجلب لنفسه المصائب وما إلي ذلك .

لا أدرى لماذا شد هذا الكتاب اهتمامي، ووجدت أني لم اقرأه بالتركيز المطلوب، فأعدت قراءته مرة أخرى و لكن بتركيز اكبر، و قد إستهوتني الفكرة حقا،  لماذا لا أجرب هذا الطريق؟ لربما احصل علي بعض السعادة .

أخذت أقرا هذه الكتب واحدا تلو الأخر، و شاهدت جميع هذه الاسطوانات و التي كانت تتكلم في نفس المواضيع، ووجدت نفسي شيئا فشيئا انجذب نحو هذا العالم الجديد بدافع الفضول. رواية من العالم الآخر

 بالطبع لم انسي سلمى ولا معاناتي قط، و لكنى كنت أجده موضوعا جديد و مشوق إلي حد ما، و عندما انتهيت من قراءتها جميعا قررت أن اطلب من صديقي العزيز (محمد علم ) أن يحضر لي المزيد منها، وقد كان.

****

عندما دخلت إلي المكتب في الصباح كعادتي استقبلني صديقي المخلص بابتسامة عريضة . رواية من العالم الآخر

في البداية صارحني بأنه سعيد لان الموضوع قد حاز علي اهتمامي، و اخبرني بأنه جلب لي المزيد من الكتب التي تتكلم عن هذا الموضوع، و التي احضرها بالفعل مع مجموعه أخرى من الاسطوانات، و كانت هذه الكتب تتحدث في مستوى اعلي من السابق .

تتحدث عن رياضات روحية مثل اليوجا و الريكي و التأمل وما إلي ذلك  حيث أنها تؤدى إلي استرخاء الجسد و التحرر من كل الأفكار التي تربط الإنسان بالواقع، فيصفوا الذهن تماما و يبدأ في الشعور بحالة من النشوة و الراحة النفسية و السكينة  ينسي الألم و الحزن و كل ما يجعل الإنسان تعيسا ليحلق في آفاق السعادة و السكينة. رواية من العالم الآخر

لا أدرى ما هي هذه الرياضيات النفسية حقا، و كيف يمكنني أن أمارسها، فالكتاب لا يوضح ذلك، و هنا قررت أن اسأل صديقي العتيد ( محمد علم).

****

بعد أن انتهيت من قراءة هذه الكتب و مشاهدة هذه الاسطوانات بادرت إلي سؤال (محمد علم) عن كيفية ممارسة هذه الرياضيات الروحية.

 فأخبرني بأن الطريقة تختلف من شخص إلي أخر، و أني يجب أن الجأ إلي معلم خبير في هذه المسائل لكي يرشدني و يوجهني نحو الطريق الأمثل لممارسة هذه الرياضات .

فأخبرته بأني طبعا لا أملك أي مال للأستعانة بأحد هؤلاء الجهابذة. 

 فأخبرني بان هؤلاء الخبراء قد بلغو اعلي مراتب السمو الروحي، و أنهم لا مطمع لهم في الدنيا لا في المال و لا في أي شيء أخر.

 و أنهم قد وهبوا أنفسهم لمساعدة البشر جمعيا لكي يسمو بأنفسهم و أرواحهم بدون عائد أو مقابل، وقال لي انه من الممكن أن يرشح لي احد هؤلاء الأساتذة لكي يساعدني أو كما يسميه هو ( الماستر ). 

بالطبع ترددت كثيرا قبل الذهاب إلي هذا الرجل (الماستر) علي حد قول صديقي العزيز، و لكنى وجدت نفسي أخيرا مدفوعا بنوع من الفضول و قد امتلأت نفسي بالرهبة ادلف إلي ذلك المبنى الفخم الموجود في احد ارقي الأحياء بالقاهرة . رواية من العالم الآخر

****

إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب

سدهارتا غوتاما

الفصل الثالث

فضول و إثارة

دخلت إلى الشقة الفاخرة و التي تشبه إلي حد كبير عيادات الأطباء ذوى الصيت الواسع، و الذي لا يكفى مرتبي لمدة عام كامل لدفع ثمن الكشف عند احدهم. رواية من العالم الآخر

فاستقبلتني الممرضة اعني السكرتيرة بابتسامة عريضة وهى تقول في تهذيب: أهلا وسهلا بك، هل يوجد موعد سابق؟ .

 فتعجبت لأن المكان كان خاويا تماما

فلما لاحظت نظراتي أخبرتني بأن الجلسة قد تستغرق الكثير من الوقت، و انه من غير المستحب أن ينتظر الناس طويلا، و لذلك فكل شخص يأتي في موعده لحضور الجلسة ثم ينصرف ليحضر الشخص التالي .

بالطبع كان (محمد علم ) صديقي الأثير الذي لابد و أنكم قد مللتم من اسمه الذي تردد مرارا حتى الآن يعلم هذه الأمور جيدا، و طبعا لم ينسي أن يحجز لي موعدا، و عندما أخبرتها باني علي موعد، و تأكدت من الاسم و الموعد علي جهاز الكمبيوتر الأنيق الموجود أمامها .

قالت لي: انتظر لحظات حتى أستأذن لك بالدخول .

فجلست علي احد المقاعد و بدأت في التأمل.

من الواضح من فخامة المكان و أناقته أن الرجل لا يعوزه المال بل ربما هو من اثري الأثرياء أيضا .

لوحات زيتية أنيقة تزين الحوائط المكسوة بورق حائط جميل، مقاعد فخمة وثيرة، سجادة إيرانية من النوع الذي تغوص فيها الأقدام عندما تخطو فوقه بالإضافة إلي المكتب الأنيق الرشيق التصميم.

ترى هل حصل هذا الرجل علي كل هذا عن طريق هذه الرياضات الروحية ؟

إن قانون الجذب و الذي قد قرأت عنه الكثير يقول بأنك من الممكن أن تجذب ما تريد عن طريق التفكير الايجابي.

 ترى هل جذب الرجل كل هذا الترف بهذه الطريقة ؟ أم انه يمتلك مغناطيساً لجذب الأموال 

لو كان مثل هذا المغناطيس موجودا فهو مع هذا الرجل بكل تأكيد. رواية من العالم الآخر

****

أفقت من أفكاري علي صوت الممرضة أعنى السكرتيرة الحسناء و هي تدعوني إلى الدخول.

نهضت من مكاني و قد تضاعفت رهبتي إضعافا مضاعفة، و اتجهت إلي الغرفة و أنا اشعر أن ساقاي قد تحولتا إلي ما يشبه الهلام، وقفت قليلا امام الباب حتي استجمع شجاعتي قليلا ثم دلفت الي الداخل اخيرا. رواية من العالم الآخر

ما أن اجتازت أقدامى باب الغرفة حتى شعرت بأني قد انتقلت حرفيا عبر الزمن.

فالمكان كان مضاء بنور خفيف مريح للعين و يظهر كل شيء في وضوح، بالإضافة إلي وجود العديد من الشموع المضاءة المتناثرة في المكان، و هناك أيضا نوع من البخور عطر الرائحة يملا الغرفة، و علي الحائط توجد لوحات قماشية بدون إطار وقد رسم عليها صور لرهبان .

رهبان جلسوا ليتأملوا في هدوء وسكينة في أوضاع مختلفة، و علي الأرض كان هناك تلك (الحصيرة) المصنوعة من القش، يتوسطها ذلك الرجل الأصلع الذي يرتدى ثيابا بسيطة وقد جلس جلسة القرفصاء الشهيرة .

بالطبع انتم تعرفون ما كنت اشعر به في ذلك الوقت، و كأني قد انتقلت فجأة من العالم الحديث المعاصر إلي احد معابد رهبان التبت في هذه الأديرة التي تتوارى في قمم الجبال الشاهقة حيث تتراكم الثلوج و تزأر الرياح. رواية من العالم الآخر

دعاني الرجل للجلوس أمامه بإشارة من يده، ففعلت. رواية من العالم الآخر

ثم بدأ يتكلم بصوت عميق و باللغة العربية طبعا فقد كان الرجل مصري جدا برغم مظهره الغريب و طريقته الأغرب قائلا: لماذا جئت؟

حاولت ان ابتلع لعابي لاكتشف بأن حلقي جاف تماما، حاولت التحدث فخرج صوتي متحشرجا قليلا في البداية فتنحنحت قليلا لكي استطيع التحدث، ومن ثم أخبرته بأني منبهر بموضوع البرمجة العصبية و طبعا لم اخطأ في الكلمة هذه المرة . رواية من العالم الآخر

لأن تخطئ أمام صديقك هو أمر، أما أن تخطئ أمام هذا الكائن الخرافي فهو أمر مختلف تماما لا يمكن توقع عواقبه . رواية من العالم الآخر

و أخبرته باني مهتم بممارسة هذه الرياضات الروحية، و أن صديق قديم قد نصحني بملاقاتك حتى استفيد من معرفتك الجمة في توسيع مداركي و إدراك المعنى الحقيقي لحياتي .

انتظر الرجل حتى انتهيت من كلامي ثم قال : إن كلماتك جيدة و لكن كما قال  الحكيم الهندي بوذا ( لا يعتبر الكلب كلبا جيدا لأنه ينبح جيدا و كذلك لا يعتبر الإنسان أنساناً جيدا لأنه يتكلم جيدا ).

لو سمعت هذا الكلام في مكان أخر أو من شخص أخر لاعتبرتها إهانه لا تغتفر، ولربما كنت قد أسمعته كما هائلا من الشتائم التي يعج بها القاموس اللغوي للمناطق الشعبية حيث اسكن.

بالطبع لم يكن استعمال هذه الألفاظ من عاداتي و لكن بعض المواقف تحتم عليك ذلك أو لربما وجهت له لكمة مباشرة تحيل وجهه إلي لوحة سيريالية متداخلة الالوان.

 و لكنى أمام هذا الرجل ذو الشخصية القوية و الحضور الراسخ آثرت أن ابتلع لساني و اسمع؛ لكن اغرب ما شد انتباهي في كلام الرجل هو كون بوذا هندياً، لطالما اعتقد انه كان صينياً.

فقد ارتبطت صورة الهنود في ذهني بالوسامة و الشعر الكثيف الناعم كما كنت أشاهدهم في الأفلام الهندية التي كان التلفاز يعرضها دوما في  أيام الأعياد أما أن يكون الهندي أصلع فهو ما لم استطع أن استسيغه حقا. رواية من العالم الآخر

ثم استطرد الرجل قائلا: لا يأتي إلي هنا سوى المقتنعون تماما بما هم مقبلون عليه، فأنا لا استطيع أن أساعد من جاء وهو يشك في جدوى الأمر.

 أو من جاء علي سبيل التسلية و اللهو، فهؤلاء اطردهم فورا، و لكنى اعتقد أن اقتناعك حقيقي، و انك لست من هؤلاء الأشخاص.

و الآن أريدك أن تقص علي قصتك وما دفعك إلي أن تأتى إلي حقا.

فأخبرته بأني سأقص عليه كل شيء؛ و لكنى أريد أن اعرف قبل ذلك ما سر كل هذا التناقض الغريب ما بين هذه الغرفة البسيطة و المكان الفاخر فى الخارج .

فابتسم قليلا ثم قال: لقد بدأت حياتي مع العلوم الروحية و أنا ارغب بشدة في الثراء، و عندما حققت الثراء اكتشفت انه لم يجلب لي السعادة أو الراحة النفسية التي انشدها، و علمت أن ما ارغب به حقا هو البعد عن كل ما يمت للحياة المادية بأي صله.

 حتى استطيع أن أروض نفسي و أصل للمرحة الروحية التي أصبو إليها، و قد كان، وعند ذلك لم تعد للثروة أهمية في حياتي.

 فقررت أن استخدمها لخدمة الناس التواقين للمعرفة،  مثلك أنت، والآن هلا بدأنا بالحديث .

****

لا أدرى ما الذي جعلني أحكى كل تفاصيل حياتي لهذا الرجل الذي لم أكن اعرفه علي الاطلاق منذ نصف ساعة فقط .

لربما كنت منوماً مغناطيسياً أو بسبب شخصية الرجل الكاسحة

 لا أدرى بالتحديد و لكنى قصصت علي الرجل كل شيء، و عندما انتهيت من السرد وجدته وقد أشرق وجهه بابتسامة عريضة ليقول لي: أن ما تعانيه ناجم عن أنك مشبع بالرغبات الدنيوية، وهي التي تؤثر سلبا علي طاقتك الروحية مما يجعلك تدخل في دوامة الحزن و الإرهاق، و أن رياضة اليوجا أو التأمل هي الحل لمشاكلك.

حيث ستمنحك القدرة علي تصفية الذهن و التحكم في المشاعر، وبدأ في شرح مفهوم هذه الرياضات النفسية .

من أنها تؤدى إلي الراحة النفسية عن طريق عدم التفكير في أي شيء سلبي و الاسترخاء الجسدي وما إلي ذلك. رواية من العالم الآخر

و بدأ في شرح بعض الأوضاع التي تساعد علي التأمل،و أخذ يوجهني إلى الاسترخاء و عدم التفكير السلبي و ما إلي ذلك من الأمور التي لم تثر حماسي، و كان الأمر صعبا بالتأكيد.

 فلم استطع أن امنع نفسي من التوقف عن التفكير في سلمى. رواية من العالم الآخر

و عندما قلت له هذا قال : أن هذا وضع طبيعي في البداية،  و أني شيئا فشيئا سأكون قادرا علي الوصول للمطلوب، و هكذا انتهت الجلسة .

و اخبرني بأن احدد موعد الجلسة القادمة مع السكرتيرة في الخارج قبل انصرافي.

حددت موعدي القادم مع السكرتيرة التي تبدو كممرضة و كان بعد أسبوع، ثم اتجهت إلي المنزل و أنا أفكر في هذه الشخصية الغامضة.

****

 بالطبع كان علي أن أجرب هذه التمارين بصورة مستمرة في غير حماس في البداية.

كنت أتمرن لمدة ساعة واحدة يوميا، ثم بدأت في التدرب لمدة ساعتين يوميا .

يبدوا أن الأمر قد بدأ يروق لي حقا، وشيئا فشيئا اندمجت مع هذا العالم الجديد تماما.

استمرت الجلسات مع الراهب الغريب في الازدياد ، و استمرت ساعات التدريب في الازدياد كذلك حتى أني كنت اقضي يوميا ست أو ثمان ساعات في التدريب نظرا لظروف العمل طبعا ؛ ولكنى كنت أزيدها في أيام العطلات لتصل إلى اثني عشر ساعة أو أكثر.

بدأت ابتعد تدريجيا عن منتجات الألبان و البيض و اللحوم، وصار غذائي بالكامل نباتيا. رواية من العالم الآخر

لم اعد أجد راحة من معاناتي إلا في هذه التمارين فعندما أبدا التمارين انسي كل شيء حتى نفسي، وقد سببت لي هذه التمارين بعض الراحة .

لأنها علي الأقل كانت تريحني من هذا العذاب المقيم لفترة و إن كانت بسيطة. رواية من العالم الآخر

بدأت أركز أكثر في عملي و استعدت السيطرة علي حياتي جزئيا، إلا أنى مازلت أتألم بشده خصوصا عندما أكون بالقرب من سلمى.

****

في احد الأيام و بينما كنت متوجها إلي المنزل مع سلمى قالت لي: لماذا تغيرت من جهتي يا (ابيه) ، هل فعلت شيئا أزعجك أو أغضبك؟.

 فقلت لها وأنا افتعل ابتسامة صغيرة علي شفتي: ابدا بل بالعكس فهذا فقط نتيجة ضغط العمل و الإرهاق.

فقالت بحزن: لقد لاحظت تغيرك مع الجميع في العمل، و قد أرجعت ذلك إلي التوتر أو ضغط العمل حقا؛ و لكن الآن أجد انك استعدت سابق عهدك مع الجميع فيما عداي فهل هناك سبب .

تردد ذلك الخاطر في عقلي قائلا : ذكية أنت يا سلمى ذكية فعلاً و أنا أحمق بالطبع أحمق فعلاً.

 ثم ضحكت ضحكة مرحة و أنا أقول: لماذا تقولين هذا الكلام بالطبع لا يوجد شيء من هذا، و لكي اثبت لك صدقي هيا تعالي لنشرب كوبين من العصير فنحن لم نفعل ذلك منذ مدة.

 فرحت هي بشدة و مشت إلي جواري في سعادة .

لكم اعشق هذه البراءة البادية علي وجهها، و النفس الشفافة التي تحملها بين ثناياها.

 هذه النفس التي لم تتلوث بأمراض المجتمع من غل و حقد و حسد و غرور، أفقت من خواطري عندما وصلنا إلي بائع العصائر.

 فاشتريت كوبين من عصير القصب  و طلبت من البائع أن يضعه لنا في كيسين مع ماصتين.

 هذه العادة التي لم نستطع أن نتخلص منها منذ كنا صغاراً أنا أو سلمى، و مضينا إلي المنزل هي تشعر بالسعادة و أنا أتظاهر بها.

 ستكون الأيام القادمة صعبة جدا، من الصعب التظاهر بالسعادة طوال الوقت.

ألا تتفقون معي في هذا الأمر؟.

****

إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب

سدهارتا غوتاما

الفصل الرابع

العالم النجمي

عند العودة إلي المنزل 

ضيت إلي حجرتي مباشرة، ثم أخذت وضعي المفضل للتأمل، و لا ادري كم مر علي من الوقت و أنا علي هذه الحالة؛ ولكني لم استفق إلا علي صوت أمي و هي تدعوني لتناول الطعام.

فأخبرتها بأني لا ارغب في الطعام الآن . رواية من العالم الآخر

 فقالت في رقة: أنت لم تعد تتناول الطعام معنا كعادتك، لقد تغيرت كثيرا في الفترة الماضية، و أنا أخشي عليك كثيرا من ما صرت إليه مؤخراً.

فطمأنتها باني تناولت بعض الشطائر في العمل، فانصرفت غير مقتنعة وعدت أنا إلي التأمل مرة اخري.

****

عندما زرت الراهب هذه المرة و لا ادري هل كانت زيارتي الخامسة أم السادسة له حينها.

أخبرته بأني اشعر بالراحة عند التمرين فقط، و أنى عندما انتهى منه تعاودني كل همومي و أفكاري و معاناتي من جديد.

أخبرته بأنني قد نال مني التعب و الارهاق، و أنى لا استطيع أن أجد السلام النفسي .

فاعتدل قليلا وهو ينظر لي قائلا : إن من هم مثلك قليلين حقاً، من يملك هذه الروح المعذبة القلقة التي لا تستطيع النسيان هم بحق من أندر الأرواح، ولا استطيع أن اصف لك علاجا لهذه الحالة.

فأسود وجهي و شعرت باليأس. رواية من العالم الآخر

إلا انه استطرد قائلا: إلا علاج واحد فقط.

فعاودني الأمل مرة أخرى و أنا أقول منفعلاً، أرجوك أن تصارحني به.

فابتسم الرجل وهو يرمقني بتركيز قائلا: هل سمعت من قبل عن موضوع الإسقاط النجمي.

بالطبع كنت قد قرأت عنه قليلا في الكتب التي أعطاها لي صديقي المحبب ( محمد علم )؛ و لكنها كانت مجرد قشور سطحية .

فأخبرته بأني قد قرأت عنه القليل، و أنى اعرف انه انفصال الروح عن الجسد .

فقال لي  أن ما تقوله ليس صحيحا تماما.

 فالروح عند الإسقاط النجمى لا تنفصل عن الجسد و لكنها تسمو و ترتفع عنه لتصل إلي أماكن و إبعاد لا يستطيع الجسد الوصول لها؛ و لكنها في نفس الوقت تبقى متصلة بالجسد عن طريق خيط فضي يساعدها علي العودة مرة أخرى، و عندما تمارس الإسقاط النجمى فأنك تستطيع أن تذهب إلي اي مكان في الكون، و حتى الكواكب أو المجرات البعيدة، و تستطيع الاتصال بأي من الأرواح سواء أكانت لشخص حي أو شخص ميت حتى ولو من أزمان سحيقة.

فالأرواح تستطيع أن تتواصل حتى و أن كانت في الواقع المادي منفصلة، و بهذا تستطيع أن تتصل بمن تحب بدون قيود أو حواجز.

أثار هذا الحديث فضولي بشدة ، و رجوته بأن يشرح لي الموضوع بالتفاصيل.

فسكت للحظات كأنما هو يفكر في الأمر.

 ثم قال لي: إن هذا الموضوع  صعب و يحتاج إلي تركيز و مجهود و قبل كل شيء يقين راسخ .

لذلك فيجب أن أسالك أولا: هل أنت مؤمن بأنك تستطيع فعل هذا الأمر.

أجبته بإيماءة من راسي أن نعم استطيع ذلك.

فقال لي: حسناً إذن اصغي الي جيداً، ثم بدأ في الحديث، و كان ما قاله مثير جدا بحق.

****

عندما عدت إلي المنزل بدأت المحاولة فورا. رواية من العالم الآخر

لم يكن الأمر سهلا بالطبع، استغرق منى الأمر ما يقارب شهرا كاملا من التدريب حتى استطعت أن أصل لمرحة الإسقاط النجمى لأول مرة.

في البداية اتبعت الخطوات التي قالها لي الراهب.

حتى أقوم بالإسقاط النجمي يجب علي أولا التدرب على الأحلام الواضحة الجلية، وهو معناه أن أتمكن من تمييز الحلم عندما احلم.

بمعني أن أكون في حالة وعي إثناء النوم، ولكي أتمكن من أن أميز الأحلام الواضحة كان علي أن أقوم ببعض الخطوات.

استمرت هذه المرحلة لمدة عشرة أيام من المحاولات المتكررة المستمرة، و لن أُفصل هذه الخطوات لكم لأسباب ستعلمونها لاحقا، ولكن هذه الأمور لم تكن إلا البداية فقط.

لماذا افعل كل هذا ؟

اسف جداُ ظننت الامر واضحا لا يستحق الشرح. 

 علي تميز الأحلام حتى لا أظن بأني احلم عندما أصل إلى مرحلة الإسقاط النجمى.

بعد هذا الموضوع بدأت كلما أحاول الوصول لمرحلة الإسقاط النجمى أشاهد الكوابيس. رواية من العالم الآخر

 الكثير من الكوابيس.

كنت قد تعلمت أن أميز الحلم من الحقيقة، ولكن الكوابيس من شدة بشاعتها كانت تجعلني أتمنى أن استيقظ من النوم، و كان هذا ما يحدث فعلا. رواية من العالم الآخر

فكنت أري كلاب سوداء ضخمة يقدح الشرر من عيونها و يتساقط الزبد من أفواهها تطاردني لتفتك بي، و أنا اهرب منها و الذعر يسيطر عليّ.

 و اشعر بان أقدامى تزن طنا، وكأنها مربوطة بأكياس رمل ثقيلة جدا .

ذلك الشعور الذي تعرفونه جميعا، و عندها تلحق بي الكلاب فاسقط أرضا و الرعب يتملكني.

 ثم استيقظ و قد غرقت في العرق البارد، لعدة ليالي يتكرر نفس الشيء و لكن في كل مرة كنت أحرز القليل من التقدم.

 يجب أن أظل في حالة الحلم و أقاوم هذه الكوابيس لأصل لمرحلة الاسقاط النجمي، و لكن كانت الكوابيس بشعة حقاً.

 فكنت أنجو من الكلاب لأسقط في قبو يمتلئ بالثعابين المتحفزة للانقضاض .

فاهرب لأجد طيور سوداء بشعة المنظر تبدو كالغربان و لكنها اكبر و أبشع تحاول أن تقتنص عيناي، فأتلوى أرضا لأجد نفسي اغرق في مستنقع كريه الرائحة ممتلئ بالجثث المتحللة المشوهة، و كلما نجوت من كابوس جاءني كابوس أسوء.

حتى استطعت أخيرا أن أتخطى كوابيسي. رواية من العالم الآخر

فأنا اعلم أنها كوابيس، واجهت الكلاب فوضعت ذيولها بين أفخاذها و وولت هاربة، و الثعابين عادت إلي جحورها، و الطيور تحولت إلي عصافير تغرد، و المستنقع أصبح بحيرة جميلة تلتمع الشمس علي صفحتها الشفافة .

أرخيت جسدي تماما وجعلت عقلي صافيا تماما من الأفكار.

طبعا لا يمكن للإنسان أن لا يفكر، بل بكل لحظة الإنسان يفكر دائما.

 لذلك ركزت تفكيري بشيء واحد فقط، ركزت على فكرة دوامة تدور أمام عيني.

مع الحرص علي أن يظل عقلي واعيا وسط الاسترخاء، انتظرت لمدة عشر دقائق من الاسترخاء .

بعدها شعرت أنى مثل الواقع تحت تأثير مخدر، بدأت اشعر بضربات قلبي قوية.

قوية جدا.

لم اشعر بها بهذه القوة من قبل في حياتي كلها.

لقد كنت اسمعها بوضوح كدقات الطبول التي تصم الآذان.

وقد كان شعورا مرعبا جدا.

شعرت كأني اختنق. رواية من العالم الآخر

و بدأت اسمع أصوات بجانبي. رواية من العالم الآخر

 كشخص يتنفس أو صياح امرأة  أو حتى أصوات ذئاب تعوي أو أصوات طنين نحل ….أجراس….ضرب خشب….و أشياء أخرى من هذا القبيل.

لقد كانت أصوات مرعبة مخيفة و عالية إلي حد مفزع.

 ولولا أنى قد أتقنت تميز الأحلام لتوقف قلبي رعبا.

فقد كنت اعلم أنها أصوات وهمية ليس لها وجود إلا في عقلي فقط؛ و لكن و علي كل حال كان  شعورا مرعبا بحق.

استمررت في جعل نفسي هادئا وسط ذلك الإزعاج، وركزت على الظلام الذي أمامي وأنا مغمض العينين.

شعرت بعدها بشعور غريب وهو أنى أطفو في الهواء وابتعد عن مكان استلقائي.

  كما لو أنى ريشة تداعبها الرياح .

 أنا الآن ابتعد بعيدا عن ذلك الإزعاج وضربات القلب المرعبة.

 بعدها شعرت كما لو كنت واقفا في الغرفة بجانب سريري.

أبقيت تركيزي علي الظلام،  وبعدها لاحظت أني بدأت أرى الغرفة وما بها من أشياء.

كأني في حقيقة وليس حلما .

و عندما التفتت بنظري إلى فراشي وجدت نفسي نائما في الفراش.

لقد كان هذا الموقف هو أكثر المواقف التي واجهتها في حياتي رعبا.

أكثر بكثير من كل ما واجهته سابقا. رواية من العالم الآخر

تخيل أن ترى نفسك نائما .

شعرت و كأني انظر إلي جثتي ترقد أمامي.

إلي  اللقاء في الجزء الثاني  من العالم الآخر ….