2الإسقاط النجمي رواية من العالم الآخر

الإسقاط النجمي عندما التفتت بنظري إلى فراشي وجدت نفسي نائما في الفراش، لقد كان هذا الموقف هو أكثر المواقف التي واجهتها في حياتي رعبا.

أكثر بكثير من كل ما واجهته سابقا، تخيل أن ترى نفسك نائما . 

شعرت و كأني انظر إلي جثتي ترقد أمامي.

فأخذت أحاول أن اهدأ وألا يصيبني الذعر،أنا الآن في المرحلة النجمية يمكنني أن امشي في المنزل الآن.

المشي في الحالة النجمية ليس كالمشي في الطبيعة؛ ولكنى كنت كمن يطفو في الهواء.

خرجت من الغرفة و شاهدت أمي وهى تخيط بعض الملابس، بينما أخي يشاهد احد البرامج علي التلفاز ولم يكن أبى في المنزل ترى أين ذهب؟

*****

بدأت أحاول أن استكشف ما حولي، بدأت في التعرف علي قدراتي الجديدة في هذا العالم الغريب.

سرعتي خارقة لا اتأثر بالجاذبية الارضية لا تعوقني الجدران او الابواب الموصدة من العبور و اشياء اخري مذهلة جدا.

بعد ذلك أخذت أعلو و ارتفع حتى وصلت إلي العالم النجمي، وقد كان ساحرا.

 أغرب ما يمكن أن تشاهد يوما، الكلمات لا يمكن أن تصفه، أنه عالم غريب عالم غريب بمعنى الكلمة.

 وهو مزيج من كل الإبداعات البشرية وإبداعاتك الشخصية، ففيه يمكن أن تقابل أصدقائك الخيالون.

  أن تكون ما تحب.

 رئيس دولة عظمى مثلا أو قرصانا تجوب البحار أو تنينا تنفث النار، تستطيع أن تأكل الكافيار أو تشرب العسل ولا تشبع وتتلذذ بالطعم كأنك في العالم الحقيقي.

 ترى أماكن بديعة ورائعة وجميلة، تستطيع الطيران، تتنفس تحت الماء، تكلم الحيوانات، ترى أشخاص آخرون يقومون بالإسقاط النجمي معك وتخاطبهم بلغة التخاطر.

 وكل شيء يمكن أن يخطر ببالك و تريده في ذاك المكان وتستطيع أن تصنع عالمك بنفسك.

 وما يجعل الأمر مدهشا أنه كالحقيقة تماما، كما تشعر الآن و أنت تقلب هذه الصفحات حقيقي جدا وكأنك في الحياة اليومية .

 وتشك في نفسك إن كنت في الواقع أم تحلم، و عند ذلك حدثت مفاجأة لم أكن أتصورها أبدا

مفاجأة أذهلتني و جعلتني مشدوها لا اصدق ما تراه عيناي.

اجل كانت هناك .

و كانت تتقدم نحوى و قد مدت يدها و علي شفتيها أروع ابتسامة يمكنك أن تتصور وجودها في العالم، كانت أجمل من الحقيقة بمراحل و لكنها كانت هي. الإسقاط النجمي

كانت سلمى.

****

لم اشعر بالسعادة أبدا في حياتي مثلما شعرت بها في هذا الوقت.

كنت مع سلمى، استطيع أن أشم رائحتها العطرة، و أضمها إلي صدري، و اعترف لها بحبي .

اسمع كلماتها الساحرة، و أرى انعكاس صورتي في عيناها و أعاهدها علي ألا نفترق أبدا، و الذي جعل الإحساس أروع

 انه كان حقيقيا كان حقيقيا بشدة.

لا ادري كم مضى من الوقت و أنا في هذه الحالة؛ و لكنى لم أرد لها أن تنتهي.

 و لكن ككل الأشياء الجميلة في الكون و التي لابد أن تنتهي بصوره أو بأخرى، فقد انتهت هذه اللحظات السعيدة.

 ووجدت سلمى و هي تبتعد ببطء حتى اختفت، و عندها استيقظت في غرفتي.

 شعرت بأني سعيد إلي حد لا يوصف، شعرت بأني امتلكت كل ما يمكن للإنسان أن يحلم به.

 و شعرت بأني أريد أن أشارك الجميع سعادتي فخرجت إلي أمي لاحتضنها في سعادة .

وهو ما جعلها تتعجب ولكنها شعرت بالفرحة في نفس الوقت، وكان أبي جالسا أمام التلفاز فسألته في براءة عن أين كان منذ قليل.

 فتعجب قائلا كيف عرفت أنى قد خرجت، و قد كنت نائما حين خرجت و حتى عدت من الخارج.

 فابتسمت و أنا أقول مجرد تخمين بالطبع لم اذكر أي شيء عن التجربة التي قمت بها .

لم اخبر أمي عن خياطة الثياب أو أخي عن مشاهدة التلفاز إلا أنى كنت متأكدا من أنهم كانوا سيشعرون بالذهول لمعرفتي هذه الأشياء التي حدثت أثناء نومي فأنا متأكد من أنها حقيقة و حدثت فعلا.

شيئا فشيئا تحسنت حالتي النفسية كثيرا .

لم اعد اشعر بالحزن أو الألم حتى عندما أكون مع سلمى

سلمى الحقيقية بالطبع فقد كانت سلمى الأخرى تملا علي عالمي، و قد كانت حقيقية أيضا.

 ربما أكثر من الحقيقة نفسها تعددت اللقاءات و في كل مرة كنت اشعر بنفس الإحساس الرائع.

 فعلنا انا و سلمي كل شيء، ذهبنا إلي كل الأماكن. الإسقاط النجمي

 من قمم الجبال إلي أعماق البحار، رقصنا فوق السحب، تجاذبنا أطراف الحديث علي سطح القمر .

تجولنا بين النجوم و سافرنا إلي مجرات بعيده سبحنا حول الثقوب السوداء.

شاهدنا تصادمات النجوم وولادة الكواكب، عرفت أشياء لم أكن أتخيل وجودها حتى، و اقتربت بشدة من أسرار الكون ذاته.

الغريب في الأمر هو أنى عندما أعود للعالم الواقعي كنت اذكر كل هذه الأحداث بالتفصيل، ولم انسي منها أي شيء مهما كان صغيرا .

و عندها بدأت الأحداث تأخذ منحى أخر .

****

(إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب )

سدهارتا غوتاما

الفصل الخامس

العين الثالثة 

لا اعرف كيف تحول الأمر إلي ذلك، أصبحت اضعف بدأ جسدي في الهزال و فقدت الكثير من وزنى.

أرجعت أمي الأمر إلي أنى لم اعد أذق اللحم أو منتجات الألبان، و نصحتني بالاهتمام بصحتي و الأكل جيدا؛ و لكنى لم اعد استطع أن استسيغ طعم هذا الطعام الحيواني، و كانت معدتي تتقلص إذا شممت رائحته فقط فما بالكم بالطعم .

بدأت انسي بشدة حتى وصل بي الأمر إلي نسيان بعض الثوابت البسيطة مثل العمليات الحسابية، و كان هذا مفزعا بحق.

 كيف ترى أنت محاسبا لا يستطيع أن يتذكر جدول الضرب مثلا وهنا بدأت استنتج أمر مخيفا.

 يبدو أن عقلي قد امتلأ تماما بما أشاهد في الجانب النجمى، و انه كما هو واضح لا يجد مكانا لتسجيل الجديد .

فبدأ في التسجيل علي المعلومات القديمة كما يحدث في الأقراص الصلبة للحواسيب.

بدأت أمي تقلق من أحوالي و تعاتبني بشدة؛ و لكنى كنت انهرها بعنف حتى أنى بدأت اكرهها حقاً.

 اكرههم جميعا في الواقع أمي و أبي و أخى و سلمى أيضا سلمى الحقيقية بالطبع .

لم استطيع أن اكره سلمى الأخرى، و كيف اكرهها و قد أعطتني كل ما احلم به .

لم استطع التوقف عن زيارتها يوميا و ازدادت حالتي سوءاً يوما بعد يوم حتى أنى لم اعد اذكر شيئا عن معلوماتي الدراسية .

أو ما يتوجب علي القيام به في العمل و كانت النتيجة الحتمية قريبة جدا.

****

ذهبت إلي العمل كالعادة و عندها طلبني المديرذهبت إليه و أنا لا أدرى شيئا عما يريده منى.

فقال لي بعصبية أين تقرير المشتريات الذي طلبته منك عشر مرات حتى الآن يا أستاذ امجد.

فارتسمت علامات عدم الفهم علي وجهي و أنا أقول:

عن أي تقرير تتحدث، أنت لم تطلب منى شيئا. وكانت إجابتي هذه بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.

فانفجر في وجهي صارخا أستاذ امجد لقد كنت صبورا معك إلي ابعد الحدود، و هذا لأنك كنت موظفا مثاليا ولم أرد أن أتسبب لك بالمشاكل  .

و ظننت بأن ما تمر به هو حدث عارض لن يلبث أن يزول و تعود لسابق عهدك؛ ولكن يبدو أن الأمر ليس كذلك.

لذلك فأنا اطلب منك أن تمر علي الخزينة الآن لتصفية مستحقاتك.

بعد أن تسلم ما تقوم به من عمل إلي زميلك الأستاذ (محمد علم)، أنا أسف لن تستمر في العمل في هذه الشركة بعد الآن.

شعرت حينها بمقت شديد للشركة و كل من فيها بلا استثناء، حتى سلمى نفسها.

شعرت برغبة في الفرار من هذه الشركة بأي ثمن لم أعد أطيق هذه الجدران و هؤلاء الأشخاص فعلا.

عندما عدت إلي مكتبي كان الجميع ينظر لي نظرات خجولة مملوءة بالتعاطف و الأسي وكانت سلمى أيضا هناك

بادرتني قائلة ماذا حدث؟ لماذا قال لك هذا؟ ماذا فعلت؟ الإسقاط النجمي

صرخت في وجهها أن لا شان لها بالأمر و أمرتها بأن تتركني لشأني.

اصابها رد فعلي بالذهول فوقفت تحاول أن تتظاهر بالصلابة تحاول ان تستعيد جزءاً من كرامتها التي اهينت امام الجميع.

لكنها فشلت في ذلك عندما نظرت إليها في ثبات و قد عقدت ذراعي أمام صدري.

فاندفعت هاربة و الدموع تنهمر من عينيها.

لا ادري ما السبب الذي دفعني للتعامل معها بهذه القسوة، وأنا الذي لم أكن أتحمل في السابق أن تشاكها شوكه صغيره؛ ولكنى كنت قد بدأت فعلا اكرهها بشدة لقد استولت سلمى الأخرى علي تماما.

ثم جاء صديقي القديم البغيض (محمد علم)

لا ادري ما السبب و لكنى صرت ابغضه بشدة أيضا، ربما أكثر من الجميع.

جاء ليتكلم معي قائلا : أن ما قاله المدير لا يعدو أن يكون مجرد كلمات في ساعة غضب، زوبعة في فنجان علي حد قوله.

و انه سيتوسط لي عنده لتعود الأمور إلي سابق عهدها، و أنى من الأفراد المهمة في الشركة، و أنى فقط احتاج إلي إجازة قصيرة للاستجمام و إراحة أعصابي.

فقلت له و أنا اضغط علي كل حرف من حروف كلماتي:

ارجوا منك يا أستاذ (محمد) أن تتفضل باستلام المستندات و الأوراق منى لأني غير راغب في الاستمرار في هذه الشركة، و غير راغب في الكلام في هذا الموضوع.

فقال لي في تعجب : لماذا كل هذا الاصرار و العناد استمع الي قليلا ليس كزميل عمل و انما كصديق او لسنا اصدقاء!

فأجبته قائلا : كنا أصدقاء و أنا غير راغب في استمرار هذه الصداقة.

بدأ الذهول علي ملامحه للحظه ثم قال : حسنا يا أستاذ (امجد) كما تحب.

أنهيت إجراءاتي في الشركة بسرعة وانصرفت من دون أي كلمة وداع لأي شخص.

****

عندما عادت سلمى إلي المنزل كانت شبه منهارة.

استقبلتها أمها قائلة : ما بك يا سلمى ماذا حدث تبدين و كأنك كنت تبكين، انهمرت الدموع من عينيها و هي ترتمي في أحضان أمها.

قالت و نبرات صوتها غير واضحة تماما بسبب البكاء و النحيب: أمي لقد تغير امجد كثيرا، لم يعد كما كان

تصوري أن ينهرني بقسوة أمام الجميع في الشركة لمجرد إني كنت استفسر منه عن مشادة حدثت بينه و بين المدير لقد أهانني بشدة يا أمي. الإسقاط النجمي

قالت أمها في هدوء: لابد و انه كان متوترا بسبب هذه المشادة التي حدثت كما تقولين بالتأكيد لم يكن يعني ما قاله لك فأمجد شاب مؤدب و الجميع يشهد له بالاحترام بالتأكيد سيعود إلي صوابه و سيأتي ليعتذر منك قريبا.

قالت لها وهي لا تزال تبكي: أتمني هذا يا أمي و لكني لا اعتقد أن هذا سيحدث لقد تغير تماما لم يعد هو امجد الذي عرفته دائما

لقد صارت نظراته مختلفة، صارت مخيفة جدا، و كأنها نظرات شخص آخر شخص مخيف إلي أقصى حد.

ثم قالت في تأثر: كم اكره نفسي عندما أتظاهر بالصلابة يا أمي فأبدو كالزجاج المتشقق مازلت اصمد لكن معدني الشفاف يظهر للجميع مدي ضعفي فلا يتطلب الأمر أي جهد حتى انهار، و تتدفق دموعي لتعلن نهاية التماسك، و انهمرت في البكاء مجددا بين ذراعي أمها التي ربتت برفق علي رأسها من دون أن تعلق علي كلام ابنتها فقد كانت تشعر هي أيضا بهذا التغيير؛ ولكنها كانت تكذب نفسها لكنها الآن باتت متأكدة من أن هناك شيئا ما شيء ليس علي ما يرام.

****

عدت إلي المنزل لأخبر أمي و أبى بأنه قد تم طردي من العمل الأمر الذي أدى إلي إصابتهم بالصدمة و الذهول.

إن الأيام القادمة هي أيام صعبة بكل تأكيد، استدار أبي بدون ان يقول اي كلمة ليعود إلي غرفته، و كأنما يحملني مسؤولية المعاناة التي سنعانيها بعد انقطاع القروش التي كنت احصل عليها بينما بكت أمي بشده و هي تنظر لي نظره تملأها الحسرة و التأنيب.

الغريب أنى لم اشعر بالتأثر مطلقا فقط شعرت بكراهية شديدة تجاههم جميعا لم اعد اخرج من حجرتي إلا قليلا، و لم اعد ازور الراهب أيضا

باختصار كانت حياتي تسير نحو الدمارعندها قررت زيارة الراهب ربما للمرة الأخيرة أريد أن اعرف الحقيقة حقيقة ما يحدث لي.

وقد فعلت. الإسقاط النجمي

****

كنت هادئا هذه المرة و أنا ادلف إلي الحجرة التي حفظت كل ركن فيها و كل شيء فيها.

 دخلت و جلست أمامه في هدوء، فبادرني قائلا: مر وقت طويل منذ أن رأيتك لأخر مرة يبدو انك قد نجحت فيما كنت تصبوا إليه.

فقلت له باني فعلا استطعت العبور إلي العالم النجمى العجيب، و قابلتها هناك

 نعم سلمى .

فلم يبد أي تعجب من هذا الموضوع، و قال انه شيء طبيعي، فعالم الأرواح لا تنطبق عليه أحكام العالم المادي الذي نحيا فيه.

 هناك كل شيء مباح و متاح مادمت هناك فلا وجود لكلمة مستحيل ثم قال و هو ينظر إلي في تركيز:

 و الآن بعد أن حققت كل ما تصبو إليه ما الذي دعاك للقدوم مرة أخرى.

فأخبرته بما يحدث لي من أمور غريبة، و بأنني اضمحل جسديا و عقليا بصورة مرعبة.

فقطب جبينه دلاله علي الاهتمام ثم سألني: كم مرة ذهبت إلي العالم النجمى حتي الآن.

فأخبرته بأني اذهب يوميا منذ فككت شفرة هذا العالم.

هنا بدت أمارات التعجب الممزوج بالخوف في الظهور علي وجهه وقال : أن هذا خطير جدا.

فالعقل البشرى غير مهيأ لكل هذه الخبرات الموجودة في العالم النجمى.

ففي العالم الحقيقي يكون العقل جزئا من الجسد فقط، يتعامل مع الواقع الملموس عن طريق قراءة الحواس من سمع و بصر و لمس و تذوق و شم الخ.. لذلك تكون المعلومات التي تصله شبه مبهمة وتحتاج الي تحليل و معالجة،و العقل لا يخزن منها سوى المهم و الضروري فقط وهو يفعل ذلك ببطء؛ و لكن في العالم النجمى يكون العقل هو المتحكم بالأمور فقط بدون أي مؤثرات جسدية أخرى لذلك فالمعلومات تكون واضحة مما يجعله يخزن هذه المعلومات و الخبرات مباشرة، و يجعلها لها أولوية قصوى لأنها معلومات مباشرة تصدر منه لنفسه، و لذلك فأنت تعرض نفسك للخطر بالذهاب إلي العالم النجمى كثيرا و لفترات طويلة، يمكن أن يمتلأ عقلك بسرعة بحيث يعجز عن التخزين مما يعرضك للجنون أو تلف الخلايا، وربما النزيف المخي مع استمرار الضغط عليه بهذه الصورة.

فقلت له: وما هو الحل ؟

إذ إني لا استطيع أن أتخلي عن الذهاب إلي هناك بهذه البساطة، لا استطيع أن أتخلي عن سلمى.

فقال لي علي الأقل يجب أن تقلل من مرات ذهابك إلي هناك و من وقت بقائك في هذا العالم.

فأخبرته بأني لا استطيع ذلك حقا، فقد أصبح العالم النجمى هو عالمي الحقيقي و هذا العالم هو مجرد محطة.

محطة للتزود بالوقود الطعام و الشراب الذي يسمح لي بأن أظل حيا فقط قبل الإقلاع مرة أخرى إلي العالم النجمى من جديد.

فقال لي : أن هناك حلا ربما يساعدك في هذه المشكلة.

قلت في نفسي:

كم هو غريب أمر هذا الراهب لا توجد مشكلة إلا وعنده حلا لها مهما كان، وكأنه يمتلك هذه الحقيبة السحرية المملوءة بالحلول.

فما أن تصادفه اي مشكلة حتى يبحث في هذه الحقيبة ثم يقول في سعادة

حسنا ها أنت ذا أيها الحل العبقري، أين كنت تختبئ طوال الوقت.

فقلت له و أنا في شدة الانفعال: أذا ما هو هذا الحل؟

فقال لي: هل سمعت عن العين الثالثة. الإسقاط النجمي

فقلت له هات ما عندك طبعا معلوماتي عنها بسيطة و قد تكون اغلبها خاطئة كالعادة .

فقال لي وقد بدت معالم الجدية علي وجهه: إذن فلتعرني اهتمامك.

وبدأ في الكلام قائلا: إن العين الثالثة هي عين رمزية تقع في مقدمة الجبهة بين الحاجبين.

وترتبط مع أجهزة الجسم الحيوية بالغدة الصنوبرية والغدة النخاميةو وظيفتها تكمن في عدة أشياء

النظرة المباشرة  والحدس والخيال والتصور  والتركيز  و التمكن الذاتي  و الإدراك الحسي الإضافي، وهذا ما يهمنا بالتحديد.

الغدة الصنوبرية هي الغدة الصماء الصغيرة في الدماغ وتنتج الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يؤثر على التشكيل والأحلام والخيال.

ولكونها غدة صماء فهي تصبه مباشرة في الدم، كما أنها لا تفرز الهرمون بصورة مستمرة بل بتحفيز معين من المخ

كنوع من التخاطب العقلي وشكل الغدة الصنوبرية مثل مخروط الصنوبر الصغير كما هو واضح من اسمها

ومن الوظائف التي تقوم بها هذه الغدة أيضا إحساس العطش في الجسم والجوع والرغبة الجنسية، وهي التي تحدد الساعة البيولوجية لدينا، و التي تحدد عملية التسنين أيضا.

بينما كانت وظيفتها الفسيولوجية غير معروفه إلا بالآونة الأخيرة، تلك الغدة تعتبر الرابطة بين العالم الحسي والعالم الروحي، وتعتبر اكبر مصدر للقوة الأثيرية المتاحة للإنسان، والغدة الصنوبرية تعتبر دائما مهمة للتحكم  في القوة الخارقة للطبيعة و تطويرها.

تملك الغدة الصنوبرية خريطة كاملة لمجال الرؤية لكل إنسان، لذلك يمكنك أن ترى عن طريقها حتى و أنت في العالم الواقعي كل ما تريد أن تراه حتى و إن كان العالم النجمي؛ و لكن بدون التفاعل الذي تشعر به عندما تكون في العالم النجمي.

مجرد مشاهدة فقط كمن يجلس أمام جهاز التلفاز ليشاهد من خلاله الأحداث، و اعتقد انك يمكنك أن تنشط الغدة الصنوبرية في عقلك لتفتح لك العين الثالثة التي ستساعدك علي تقليل مرات دخولك إلي العالم النجمى، ولكي تنشط هذه الغدة عليك بفعل ما سأقوله لك بالضبط.

****

بالطبع لن اذكر تفاصيل الأمر كالعادة، اعلم أنكم مستاءون منى لذلك، و لكنكم جمعيا ستلتمسون لي العذر عندما تعرفون الحقيقة التي عرفتها أنا لاحقا.

كان الأمر عبارة عن تمارين ذهنية و تأمل و تركيز و أشياء أخرى بالطبع عندما استطعت أخيرا أن أنفذ كل التعليمات بدقة و تركيز.

عندها شعرت بشعور غريب، شعرت كأن هناك نيران تشتعل داخل عقلي، و سمعت صوت قرقعة عالية كأنه صوت رصاصة تدوى في أذني.

ثم فتحت عيني لأفاجأ بالأمر لقد كانت الكيانات التي أشاهدها في العالم النجمى تبدو في وضوح أمامي.

تلك الكيانات النورانية الجميلة التي تتحرك حركة انسيابية رشيقة لم ادري ما هي هذه الكيانات بالضبط

هل هم الملائكة أم هي أرواح هائمة لم أكن اعلم بالضبط و لكنى كنت مبهورا ومن وسط هذه الكيانات النورانية الجميلة .

ظهرت هي. الإسقاط النجمي

اجل سلمى.

كانت تنظر لي و تبتسم تلك الابتسامة الرقيقة العذبة، و كانت تمد يدها كما تفعل دائما عندما نلتقي، و لكنى لم استطع أن المسها عندما حاولت ذلك، انفلتت من بين يدي كما ينفلت الدخان عندها تذكرت كلمات الراهب.

لن استطيع أن المسها و أتفاعل معها، فقط كل ما أستطيعه هو أن أراها ولم يكن هذا كافيا؛ و لكنه كان المتاح.

يجب أن اقلل زياراتي للعالم النجمى يجب ألا أموت أو أصاب بالجنون.

لأن ذلك يعنى أن احرم من سلمى للأبد.

وهذا ما لن يكون.

****

صرت طيلة يومي انظر لها وهى تبتسم وتتحرك من حولي، قررت أن ازور العالم النجمي مرة كل أسبوع، و كنت أتحرق شوقا لهذا اللقاء.

هذه المرة عندما ذهبت إلي العالم النجمى من جديد للقاء سلمى وجدتها تنتظرني كالعادة.

وما أن رأتني حتى ابتسمت و مدت يدها لتتشابك مع يدي وهى تقول: امجد لا ادري هل علي أن أخبرك بهذا الأمر أم انه لا طائل من هذا الكلام.

فقلت لها: قولي كل ما تريدين قوله.

فكلامك لم يكن ابدآ بلا طائل، لقد اكتشفت الحكمة من خلال شفتيك.

فقالت : إن ما يزعجني هو ألا تعرف حقيقة الكون، حقيقة الوجود و الحياة.

ألا تعرف من أنت وما تساويه في هذا الكون.

هل تعرف النهر، أنت النهر.

هل تعرف الجبل، أنت الجبل.

هل تعرف السدم و المجرات و النجوم، أنت كل هذه الأشياء.

أنت جزء من الكون و في نفس الوقت أنت كل الكون.

لم استطيع استيعاب ما تقول.

فقلت لها: كيف أكون جزئا و كلا في نفس الوقت.

فقالت: هل تعرف أن المحيطات قد تكونت بفعل قطرات.

و أن هذه القطرات قد امتزجت مع بعضها البعض لتخرج هذا الكيان الهائل المسمى بالمحيط ، إذا أخرجت احد هذه القطرات من المحيط.

 فأنت لن تستخرج تلك القطرة التي سقطت في البداية، و إنما ستستخرج قطرة أخرى.

هي كيان يحتوى علي جزء من كل قطرة سقطت لتشكل المحيط، أنت القطرة و الكون هو المحيط، هل تعلم ما معنى هذا .

أنت هو الكون ذاته. الإسقاط النجمي

لم افهم ما تقوله بالتأكيد، فطلبت منها بعض التوضيح.

فقالت: دعنا لا نضيع وقتنا الثمين في هذا الكلام و لكن عدني أن تفكر في هذه الكلمات عندما تعود لعالم الواقع.

ففعلت ذلك قبل أن ننطلق لننعم بلحظات السعادة الثمينة.

****

عندما عدت إلي عالم الواقع بدأت أفكر في كلمات سلمى.

ماذا كانت تعنى بما قالت، كيف أكون أنا الكون ذاته، أنا النهر و أنا الجبل .

أنا لحن تردد منذ عرفت الألحان.

و أنا شذى عطر تنسمه أول إنسان. الإسقاط النجمي

أنا شعاع نور اخترق غياهب الأكوان.

أنا من تواجدت دوما في جميع الأزمان.

لا أدرى كيف غابت عني هذه الحقيقة منذ البداية، لقد كنت أعيش في وهم، لا معنى للألم أو المعاناة فهم أنا أيضا.

أنا كل ما في الكون من مشاعر و أحاسيس، من حياه أو جماد، من عشق أو ورع أنا كل شيء .

أنا أعظم شيء في كل الوجود، بل أنا هو الوجود ذاته. الإسقاط النجمي

كيف كنت غافل إلي هذه الدرجة، لقد كنت أحمق جدا في الواقع.

زرت سلمى كثيرا، و علمتني أشياء كثيرة.

أشياء لم أكن اعلم عنها  أي شيء أبدا.

****

(إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب )

سدهارتا غوتاما

الفصل السادس

الحقيقة المرعبة

في احد الأيام المتشابهة، و التي لم تعد تمل منى كما أنى لم اعد أمل منها، دخل أبى و أخي إلي غرفتي.

وقال لي أبي: سنذهب أنا و أخوك لصلاة الجمعة فهل ستأتي معنا؟

كانت إجابتي بالنفي.

فقال لي أبي وهو غاضب، لقد لاحظت انك لم تعد تصلي أي صلاه يا امجد حتى صلاة الجمعة لم تعد تؤديها هي الاخري.

ألا تخشي الله.

فكانت إجابتي تلقائية بأن هززت رأسي بالنفي.

فظهرت الصدمة علي وجه أخي، بينما احمر وجه ابي من شده الغضب وهو يقول: أعوذ بالله  كيف لا تخشي الله وهو الذي خلقك و رزقك لابد انك شيطان.

لا أدرى لماذا قلت له هذه الكلمات، ولكنى شعرت بكراهية شديدة و مقت لا يوصف تجاهه و تجاه أمي و أخي و كل شخص فيما عدا سلمى .

سلمى التي علمتني معنى الحياة و حقيقة الوجود.

فقلت له اجل أنا شيطان ولست شيطانا فقط بل أنا ملاك أيضا بل أنا كل شيء، كيف تعيشون و تقتنعون بهذه الخرافات لا يوجد ما يسمى بالرب أو الإله فكل شخص هو اله، كل شخص هو جزء من الكون وهو الكون ذاته.

ولو كان هناك اله لكان جزء منه أيضا مثلى ومثلك، فكيف إذن يكون اله وهو مثلي و مثلك.

عندها لم يستطع أبي الاحتمال أكثر .

فانهال علي سبا و لكما و ركلا، بالرغم من أن آخى كان يمسكه محاولا أن يمنعه من ضربي.

إلا انه كان ثائرا مثل الأعاصير المدمرة، ثم قال غاضبا : اخرج من منزلي و لا تعد إليه مرة أخرى.

عندها وجدت أمي و هي تلطم خديها و تصرخ : كلا يا فاروق إلي أين سيذهب لا يوجد مكان ليذهب إليه.

صرخ في وجهها قائلا، لن يكون لي ابنا كافرا.

لقد كان لي ابن يدعى (امجد) لكنه مات.

عندها توجهت في هدوء نحو الباب وخرجت.

خرجت و أنا أري أبي ممسكا بأمي ليمنعها من اللحاق بي و هي تصرخ و تبكى.

خرجت و أنا أرى الحسرة في عيني أبي و كأنما أنا مت فعلا.

خرجت و أنا أرى أخي و قد انهار يبكى علي احد المقاعد وهو غير قادر علي الحركة.

خرجت و أنا ابتسم، أنهم حمقى، و أنا حقا اكره الحمقى، أخيرا سأستريح منهم.

****

بعد أن استمعت إلي أصوات الشجار و ما حدث بيني و بين أبي جاءت سلمى لتستفسر عما حدث من أمي.

قالت لها : ماذا حدث ؟ ماذا فعل امجد ؟ الإسقاط النجمي

لم تستطيع أمي الرد، فقد كانت منهارة بشدة من كثرة البكاء.

عندها بادرها أخي (اسعد) بالكلام، لقد تماسك قليلا و لكنه لم يكن بحال أفضل من حال أمي بكثير قائلا: سأقص عليك ما حدث يا سلمى.

فأنا ارجوا أن تساعديني، فقد منعني أبي من الذهاب خلف امجد، ارجوا أن تفعلي أنت هذا عني.

ثم بدأ في الكلام عن كل ما حدث بالتفصيل، و كان كلما تكلم ازداد اتساع عيني سلمي و ازداد الهلع وضوحا علي معالم وجهها.

ما أن انهي أخي قصته حتى قالت سلمى: أرى أن امجد ليس علي ما يرام، هناك شيء ما شرير يسيطر عليه بشدة.

ارجوا ألا تقلق يا اسعد، فأنا سأذهب للبحث عنه و لن أعود إلا حينما أجده، ثم انطلقت مسرعة.

*****

كان أول ما فعلته سلمى هو التوجه إلي شقتها لتخبر أمها بما حدث و تتصل بخطيبها أستاذ  (عصام المحلاوي)عبر الهاتف.

عندما أتاها صوته علي الهاتف قالت له في لهفة: عصام لقد حدثت مشكلة كبيرة لأمجد مع والده و قد ترك المنزل، ارجوا منك أن تأتي حالا حتى نذهب معا للبحث عنه.

فقال لها في ضيق: أنا لا استطيع أن اترك أعمالي لأبحث معك عن كل شخص يتشاجر من الجيران .

انه شخص بالغ علي حد علمي وهو قادر علي تدبر أموره.

فقالت له: ولكنه ليس مجرد جار انه بمثابة أخ .

فقال لها: كما قلت أنت بمثابة أخ إذن هو ليس أخاً حقيقياً و ليس من العائلة فلا يجب أن نتدخل في شئونه الخاصة.

فقالت : حسنا إذا كنت لا تريد أن تأتي معي فسأذهب وحدي للبحث عنه.

ازدادت كلماته حده و هو يقول: كما قلت لك سابقا هو ليس من العائلة لماذا تهتمي به كل هذا الاهتمام.

أنا أقول لك بوضوح لا تذهبي إلي أي مكان و لا تبحثي عن أي شخص وإلا فلتعتبري أن كل ما بيننا قد انتهي إلي الأبد.

*****

مشيت في الشوارع لا ادري إلي أين اذهب و ماذا افعل، في البداية كنت سعيدا حقا.

شعور غامر بالنشوة و الانطلاق، شعور بالخلاص التام من كل شيء.

أريد أن أجد أي مكان لكي أنام أريد الوصول للعالم النجمي، يجب أن التقي بسلمي بالتأكيد ستعرف ما يجب عمله الآن.

لكن لا يمكن أن أجد مكان من دون إزعاج، لا استطيع الوصول للتركيز اللازم للوصول إلي حالة الاسقاط النجمي.

مشيت كثيرا حتى تعبت و أنهكني الجوع لا ادري ما عدد الايام التي قضيتها و أنا أسير بلا هدى.

تتابعني نظرات سلمى من العالم النجمى أراها تنظر لي في أسى و حسرة.

نمت في العراء علي الأرصفة، ولم أذق من الزاد سوى الماء. الإسقاط النجمي

اضطررت الي البحث عن بقايا الطعام في القمامة كالكلاب الضالة، أرهقني التعب و الجوع فجلست علي احد المقاعد العامة في الشارع.

و كان منظري غريبا بتلك الملابس المنزلية و التي لم امتلك الوقت لتبديلها و أنا اطرد.

كانت قد اتسخت بشدة وتمزقت في أكثر من موضع بالأحرى كان منظري شبيها بالمتسولين.

علمت ذلك عندما مرت هذه السيدة لتضع تلك العملة النقدية في يدي و هي تنظر لي بأسف قبل ان تنصرف.

عندها بكيت، بكيت من دون أن أدرى.

فقط علمت انني ابكي عندما تساقطت الدموع لتبلل وجهي و العملة المعدنية بين اصابعي بدأت أدرك حينها ما حدث لي.

لقد تم تدمير حياتي تماما.

ثم رأيت بعض الشباب وهم يقومون بدفع سيارة معطلة، كانت احد سيارات نقل الموتى ويبدو أنها كانت ثقيلة و تأبى التحرك قيد أنمله.

فقال احد هؤلاء الشباب مازحا : يبدو أن المتوفى لا يريد التحرك .

لماذا لا تريد التحرك، فستذهب شئت أم أبيت.

ثم ضحك هو و أصدقائه كثيرا، ضحك هو بينما أصبت أنا بالهلع، كما لو ان هذا الموقف قد دق ناقوسا في عقلي.

ناقوس جعلني اعود الي صوابي فجأة هل بالفعل يأبى هذا المتوفى أن يتحرك.

هل أدرك حقا ما ينتظره ولا يريد أن يلاقيه، ترى هل كان أسوأ منى، لا اعتقد أن هناك من هو أسوأ منى .

فإذا كان هذا هو حاله فكيف يكون حالي أنا.

أصابتني الفكرة بالهلع و الذعر، تخيلت ما ينتظرني في النهاية و راودتني أفكار عديدة.

هل العالم النجمي و تلك الأحداث التي مررت بها أخيرا هي نعمة أم نقمة.

هل سلمي من العالم النجمي حقيقية فعلا، هل تحبني حقا؟ أم أنها تستغلني بطريقة ما.

وماذا تريد مني بالتحديد؟ ما قالته لي هل هي الحقيقة أم كانت تخدعني بصورة أو بأخرى.

كيف اقتنعت بهذا الكلام الذي لم أتصور يوما مجرد محاولة التفكير فيه.

بدي لي كل كلامها سخيفا الآن .

كيف استطعت ان اشك في وجود الله عز وجل، كيف حدث هذا الامر و كيف استعدت ايماني الآن.

تري هل استعدته حقا ام اني قد اصبت بالجنون، لقد كنت كالمنوم مغناطيسا مسلوب الإرادة فعلا ولكن هذا التفكير يدل علي أني قد بدأت استفيق.

فهل هذا حقا ما يحدث ؟ لست متأكدا من ذلك حقا، كيف استفقت و ما الذي جعلني استفيق.

تري هل كان السبب هو عدم قدرتي علي الوصول للعالم النجمي لفترة طويلة من الوقت.

هل كانت زياراتي لهذا العالم باستمرار هي السبب في عدم استطاعتي السيطرة علي عقلي.

هل كانو يسيطرون علي عقلي و يسممون افكاري و يغسلون دماغي بهذه الاوهام و السخافات .

ولكن السؤال الاهم الآن هو من هم الذين يفعلون ذلك؟ وما هي مصلحتهم في هذا الامر ؟

ومن هي سلمي التي اقابلها في العالم النجمي؟

كل ما اعرفه الان هو ان هذا العالم هو من دفعني نحو الهلاك، هو السبب في كل ما وصلت اليه.

و لكني الآن أشعر بالندم علي ما فعلته مع أبي و أمي و أخي، و سلمى أيضا. الإسقاط النجمي

لم اعد اشعر بتلك الكراهية التي كانت تفعم قلبي تجاه الجميع لكم كنت قاسيا معهم .

ظلت الخواطر تتردد في عقلي بلا انقطاع لا ادري كم لبثت في هذه الخواطر؛ ولكني استفقت منها فجأة عندما شعرت بشخص يجلس إلي جانبي. الإسقاط النجمي

من هو الشخص الذي يمكن أن يجلس بجوار متسول قذر الملابس بل لربما كان مجنونا كذلك مثل ما كنت ابدوا أنا في هذا الوقت؟

هل تعلمون من كانت؟ الإسقاط النجمي

بالطبع تعلمون.

كانت سلمى.

ليست سلمى من العالم النجمى، فهذه لازلت أراها تنظر لي هذه النظرة الكئيبة، دون أن تستطيع أن تفعل اي شيء ذا جدوى.

جلست سلمى إلي جواري و الدموع تبلل وجهها أيضا.

أمسكت بيدي و قالت : قد سمعت أصوات الشجار و رأيتك تخرج من المنزل فذهبت إلي والدتك التي كانت في حالة يرثى لها.

فلم تستطع الكلام؛ ولكن أخاك قص علي الأمر كله، لقد أراد أن يخرج ليبحث عنك؛ لكن والدك منعه.

فذهبت أنا للبحث عنك، بحثت في كل مكان يمكن أن تذهب إليه فلم أجدك.

أيام و أيام و أنا أحاول أن اعرف أين أنت، ذهبت إلي جميع أصدقائك و سألت كل من يمكن ان تذهب اليه بلا جدوى.

لكني كنت اعود دوما الي هنا للبحث عنك قبل ان اذهب إلي أي مكان.

فقد كنت متاكدة من انك ستاتي حتما الي هنا، عند بائع العصائر.

نظرت أمامي فوجدت دكان العصائر هناك، لقد جئت إلي هنا و جلست من دون أن اشعر، و كأني قد انسقت غريزيا إلي هذا المكان.

لأنها كانت هنا في يوم من الأيام، تجلس إلي جواري و تمسك كيس العصير بيديها الرقيقتين، تتحدث و تبتسم و تنشر السعادة في الاجواء.

قامت سلمى و أخذت بيدي قائلة : هيا بنا لنشرب كوبين من العصير. الإسقاط النجمي

مشيت معها وأنا مسلوب الإرادة، لم أكن استطيع التحكم في نفسي.، ولم اعد اشعر بأي شيء، لم اشعر بالحزن ولا بالسعادة.

فقط هذا الشعور المتعادل الغريب. الإسقاط النجمي

قامت سلمى بشراء كوبين من عصير القصب و طلبت من البائع أن يضعهم في كيسين مع ماصتين، تلك العادة التي لم نستطيع أن نتخلص منها أبدا أنا أو سلمى.

أمسكت الكيس في يدي و بدأت اشعر بالندم، لكم كنت قاسيا معها، و مع ذلك فقد أسرعت إلي فورا عندما احتجت إليها.

رفعت نظري قليلا فوجدت سلمى الأخرى تنظر إلي، تنظر إلي في غضب و كأنها تتوعدني.

ثم سمعت سلمى وهى تقول لي : أنا اعلم انك لست في حالتك الطبيعية.

أنت واقع تحت تأثير شيء فظيع يتحكم بك، و يجعلك تفعل أشياء لم تكن تتخيل أن تفعلها قط ؛ ولكنك قوى و أنا اثق بك.

قاوم يجب أن تقاوم.

عندها شعرت بأني فعلا يجب أن أقاوم.

أمسكت بيدي و هي تقول: هيا بنا الآن.

****

اقتادتني إلي احد  ( البنسيونات ) القريبة بعد أن عرجنا علي احد المطاعم لتناول الطعام، ولم تنس أن تشترى لي بعض الملابس النظيفة قبل كل شيء، حجزت لي غرفة في هذا البنسيون ووضعتني فيها و هي تقول : لن تستطيع العودة إلي المنزل و كذلك لن استطيع أن ادعوك إلي منزلنا.

 فنحن نعيش بمفردنا أنا وأمي كما تعلم، لذلك فلتقض الليلة هنا و غدا سأمر عليك لأرى ماذا سنفعل. الإسقاط النجمي

بعد انصراف سلمى بقليل قمت فاستحممت و بدلت ثيابي و حاولت النوم.

فكرت في كل ما حدث لي، كيف استطعت أن اكره سلمى، بل و الأدهى كيف استطعت أن اكره أبي و أمي و أخي.

لقد فعلت أشياء كثيرة مريعة؛ ولكنى لم اشعر بذلك إلا الآن.

رأيت سلمى الأخرى وهى تنظر لي غاضبة. الإسقاط النجمي

فأدرت وجهي وأنا أقول: لا يجب أن أقاوم، أنت لست سلمى .

لست سلمى بالتأكيد.

****

لا ادري كيف استسلمت للنوم؛ و لكن عندها بدأت الكوابيس.

كوابيس مريعة و لم تكن مثل تلك الكوابيس التي كنت أراها سابقا بل أشنع و أبشع بكثير.

حاولت مواجهة هذه الكوابيس كما فعلت سابقا؛ لكنى فشلت.

فقد كانت مريعة جدا لدرجة لا توصف، أحلم بأفاع ضخمة مرعبة الشكل تأتى نحوي فأهرب منها .

أرى موتى يخرجون من القبور رائحتهم كريهة جثثهم متحللة، يحملون عصي من معدن أو خشب يبحثون عني لضربي و أكلي .

 أحاول التسلل منهم خفية لكنهم يرونني يركضون ورائي فاركض هاربا ثم أجد نفسي في مزرعة مليئة بالطين كريه الرائحة

رائحة خبيثة جدا، رائحة ليست من هذا العالم إن صح التعبير.

و أسوار هذه المزرعة مصنوعة من هياكل خنازير مسلوخة إلا أن رؤوسها موجودة تنظر لي و كأنها تضحك.

تضحك ضحكة شريرة مقيتة قاسية ثم يعثر علي هؤلاء الموتى مجددا .

أراهم قادمون نحوي من بعيد فأركض حتى يدق قلبي دقا مفزعا لأجد ثغرة ضيقة جدا في سور الخنازير هذا.

أحاول أن أنفذ منها  فتتحرك رؤوس هذه الخنازير لتفتك بي لكني اهرب في اللحظة الأخيرة.

 اسقط في الخارج مفكك الأوصال  متسخ الملابس لكنني أنجو و أعثر على إناء مليء بماء وردي براق.

فاشعر بالراحة و الاطمئنان، فأغسل يداي و وجهي بهذا الماء، ثم ألتفت لأجد شخصا طويلا مغطى بعباءة سوداء وسط سنابل صفراء في مساحة شاسعة يمسك بمنجل كبير ويتجه نحوي. الإسقاط النجمي

أتجمد في مكاني من شدة الذعر الآن هو قد صار أمامي مباشرة، ينكشف الغطاء عن وجهه فأرى وجه سلمى.

ولكن مع الفارق فعيناها مشقوقتان طوليا و مشتعلتان كجمرتين من جهنم. الإسقاط النجمي

ووجهها مليء بالبثور التي تنضح بالدم و الصديد و لها لسان مشقوق بشع يتدلي من فمها و يتلاعب ليلامس وجهي.

تملكني الرعب و الاشمئزاز فصرخت بشدة حتى ظننت بأن حنجرتي قد تشققت من شدة الصراخ.

فامتدت يدها القبيحة الممتلئة بالمخالب لتمسك بوجهي و هي تقول في صوت يشبه الفحيح:

لا يمكنك أن تهرب منى، لا أحد يهرب منى أبدا، أنت لي و ستظل لي دوما. الإسقاط النجمي

لن تهرب.

لن تهرب.

لن تهرب.

و ظلت ترددها حتى استيقظت فزعا و العرق البارد يغمر جسدي كله ليبلل الفراش .

****

قمت إلي الحمام لأغسل وجهي و عندما نظرت في المرآة وجدت آثار المخالب المخيفة واضحة في وجهي. الإسقاط النجمي

ثم فجأة وجدتها تقف خلفي بنفس الصورة البشعة التي كانت في الحلم. الإسقاط النجمي

التفت إليها في فزع، وسقطت أرضا أردت أن اصرخ بشدة، ولكن الصرخة احتبست في حلقي.

ولم تكن وحدها من تقف هناك، كل تلك الأجسام النورانية الشفافة الرائعة التي كنت أراها دوما تحولت إلي وحوش بشعة

وحوش رهيبة مفزعة، وكانت جميعها تنظر لي في مقت و كراهية.

خاطبت نفسي قائلا: أنا احلم ، كل هذا حلم .

كابوس فظيع لن البث أن استيقظ منه؛ لكن من كنت اخدع بالضبط.

فأنا اعلم أن كل هذا حقيقة، أفظع حقيقة عرفتها في حياتي.

مرت علي هذه اللحظات و كأنها دهور، وهم يحدقون بي بهذه النظرات المقيتة من عيونهم المشقوقة الحمراء بلون الدماء.

ثم اختفوا من أمامي فجأة.

و سمعت أذان الفجر يتردد من مسجد قريب، بقيت في مكاني علي الأرض الهث و انتفض لفترة.

و عندما استطعت النهوض أخيرا. الإسقاط النجمي

قمت فتوضأت وأنا مغمض العنين، كنت خائفا جدا أن افتح عيني لأجدهم ينظرون إلي مرة أخرى.

ولكن عندما نظرت للمرآة مرة أخرى، لم أجد سوى وجهي الخائف المرتعب.

****

(إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب )

سدهارتا غوتاما

الفصل السابع

اختراق الظلام

جررت أقدامى متجها إلي المسجد القريب، صليت صلاة الفجر و بكيت كثيرا في أثناء الصلاة.

توجهت إلي الله بالدعاء، و ندمت علي ما اقترفت، ندمت علي شكي في وجود الله.

ندمت علي ما فعلت مع عائلتي، ندمت علي كل الأشياء الفظيعة التي انسقت إليها، وعندما انتهت الصلاة  جلست قليلا.

عندها وجدت ذلك الشيخ الوقور ذى اللحية البيضاء يجلس في احد أركان المسجد ليتلو آيات من القران في خشوع و بصوت عذب جميل.

وجدت نفسي وقد جلست استمع له في هدوء حتى انتهى من القراءة، و عندها توجهت إليه و سلمت عليه قائلا: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

فأجابني: و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.

فقلت له: لقد سمعتك تقرأ القران و قد شعرت براحة و سكينة و أنا استمع إلي الآيات.

لقد كنت شخصا فظيعا فعلت أشياء لم أكن ادري ما هي لكنى الآن اشعر بمدى بفظاعتها .

ماذا افعل لكي  اطهر نفسي من هذه الأشياء المريعة.

فأجابني قائلا: مهما كان ما فعلت يا بني فأنت علي الطريق الصحيح، إن طريق الندم و الاعتراف بالأخطاء هو أول طريق النجاة.

أن الله تعالي يغفر الذنوب جميعا و لكن بشرط التوبة و الندم . الإسقاط النجمي

فأجبته قائلا: يعلم الله مدى ندمى و صدق توبتي. الإسقاط النجمي

فقال لي الشيخ: إذن يا بني اخبرني بما حدث لك و ما هي قصتك ؟ و إن شاء الله سنوفق إلي حلها.

جلست اقصص عليه قصتي كاملة من البداية إلي النهاية بالتفصيل و بدون ان اغفل ادني تفصيل صغير.

و الذي جعلني افعل ذلك الامر هو ما لمسته من راحة نفسية و طمئنينة و انا اتحدث الي هذ الشيخ الوقور الطيب.

لم يقاطعني الشيخ ابدا اثناء سردي للاحداث، بل لم يبدو علي وجهه اي مظهر من مظاهر الدهشة رغم غرابة ما قمت بسرده عليه.

 و ما ان انتهيت من قصتي كاملة حتي نظر لي الشيخ الطيب بنظرة عطف وقال: يا بني لقد انسقت إلي شر كبير.

إن هذه الرياضات الروحية التي كنت تمارسها ما هي في الواقع إلا ممارسات وثنية، وهى معتقدات شيطانية باطلة للأسف ينجرف الكثير من الشباب لها بدون وعى منبهرين بالوعود البراقة و الآمال الكاذبة.

أنت الآن مرهق و ضعيف لذلك ارجوا منك أن تذهب لتنال قسطا من الراحة، و لنلتقي مرة أخرى في صلاة الظهر.

فقلت له : و لكني لا استطيع النوم، فهذه الكوابيس تطاردني و لا استطيع منها فكاكا لقد صرت اخشي النوم بشدة.

فقال لي: أنها الضريبة يا بني، ضريبة إتباع الشياطين.

نظرت له في هلع و أنا أقول: شياطين عن أي شياطين تتحدث.

فقال لي: سأشرح لك كل شيء لاحقا.

وقام فأحضر زجاجة من الماء و قرأ عليها بعض الآيات من القران و أعطاها لي ثم قال: اغسل راسك بهذا الماء قبل أن تنام.

طبعا لا أعدك بأن تنتهي كوابيسك فورا و لكنها مع الوقت ستزول إن شاء الله.

أما بالنسبة لتلك الرؤى التي تراها و أنت مستيقظ فلا تعبئ بها و لا تخف فقط تجاهلها و ليقضي الله أمرا كان مفعولا.

ذهبت إلي ذلك البنسيون مرة أخرى، و فعلت ما أمرني به الشيخ، و استسلمت للنوم.

****

 ولكن ما إن غلبني النعاس حتى عاودتني الكوابيس أعنف من قبل وأشد قوة حاولت أن أصرخ فلم استطيع.

صرت أئن فقط و كأنما يداً تطبق على فمي لم تعد طريقتي في ادارك الأحلام تجدي نفعا لتجعلني استيقظ.

ولم ينقذني من ذلك سوى صوت طرقات عنيفة علي باب الحجرة، عندها استيقظت و فتحت الباب لأجد سلمى و القلق باد علي وجهها.

قالت لي: لقد قرعت الباب بهدوء في البداية و لكنك لم تجيب، و قد سمعت صوت أنين و تأوه فقرعت بقوة أكثر فأكثر.

ماذا هناك ؟ وما هذه الندوب الغريبة علي وجهك؟ ماذا يحدث لك؟

بالطبع لاحظت أن الندوب علي وجهي و جسدي قد ازدادت . الإسقاط النجمي

عندها شعرت بالضعف و الخوف و بكيت.الإسقاط النجمي

لم تستطيع أن تتمالك نفسها هي أيضا ووجدتها تبكى هي الأخرى و تربت علي كتفي في حنان قائلة: ماذا يحدث لك يا امجد اخبرني؟

قصصت عليها ما مررت به من البداية.

لم أصرح لها بأنها هي سبب كل ما مررت به، و عندما سألتني عن من تكون لم اجب.

فقط التزمت الصمت، وقد احترمت هي شعوري ولم تكرر السؤال، و عندما انتهيت من حديثي قالت:

سأمزقك بأسناني ارباً ارباً ( محمد علم) الويل لك.

فقلت لها: ارجوكي لا تفعلي اي شيء فهو بالتأكيد لم يكن يعلم.

فقالت: علي الأقل ربما هو يعلم طريقة للخلاص، أو يعلم من يستطيع أن يساعدنا.

لم أكن أدرى ماذا أقول عندها هبت واقفة و هي تقول: انتظرني سأعود قريبا و لن أتأخر

ثم اندفعت مسرعة إلي الخارج قبل ان استطيع منعها من الخروج.

****

انطلقت سلمى إلي الشركة مباشرة ثم ذهبت إلي (محمد علم)، وما أن رأته حتي اندفعت نحوه كالبركان الثائر و انطلقت الكلمات من فمها في وجهه كالحمم الملتهبة و هي تقول: كيف استطعت أن تفعل ما فعلت.

تسلم صديقك لهذا الشيطان ليفعل به ما فعل، لم أكن اعلم انك بهذه الخسة.

لسوف أقوم بتحرير محضر ضدك في قسم الشرطة اتهمك فيه بالتواطؤ و مساعدة  هذا الشيطان في تدمير حياة الناس.

استبد به الذعر و هو يقول لها بصوت مرتعد: عن أي شيء تتحدثين يا سلمى.

أنا لا اعلم حقا عن ماذا تتكلمين كان الهلع و الذعر الباديان علي وجهه حقيقيان بشدة. الإسقاط النجمي

مما دفع سلمى إلى تصديقه فقالت له وقد هدأت ثائرتها قليلا: ألا تدرى حقا ماذا يفعل هذا الراهب الذي دفعت امجد للذهاب اليه.

فقال لها: انه لا يفعل شيئا سوى تعليم الناس اليوجا و الاسترخاء كما فعل معي لا أكثر.

فقالت له: ليست هذه هي الحقيقة ثم سردت عليه القصة بالتفصيل .

ازداد هلعا و رعبا مع كل كلمة حتى بدا انه سيصاب بنوبة قلبية و يخر صريعا في أي وقت هنا و الآن.

ما أن انتهت سلمي من قصتها حتى قال لها: كل هذا حدث مع امجد بسببي، أنا من أقحمته في كل هذه المصائب

وهذا الراهب القذر لقد استغلني و استغل امجد كذلك الويل له سأمزقه إرباً ، هيا بنا.

فقالت له: إلي أين؟

فقال: يجب أن نذهب إلي قسم الشرطة لتحرير محضر لهذا الراهب أو نذهب إليه ليجد لنا حلا لهذه المصيبة التي وضعنا فيها.

ثم بعد ذلك سأجعله يندم علي يوم ولادته ثم انطلقا مسرعين .

****

كان موعد صلاة الظهر قد حان فتوضأت و ذهبت إلي المسجد.

صليت صلاة الظهر و اتجهت إلي الركن الذي يجلس به الشيخ بعد أن تبادلنا التحية سألني قائلا: الآن اخبرني ماذا حدث لك ؟

فأخبرته بما جرى و كيف هاجمتني الكوابيس بصورة أبشع و أكثر عنفا من السابق.

و أخبرته كيف أنى لم استيقظ إلا علي صوت الطرقات المرتفعة علي الباب، و أخبرته عن الندوب التي ازدادت في جسدي.

أخبرته عن كل شيء.

عندها قال: يا بني لقد وقعت في شرك استحواذ شيطاني مفزع لن تستطيع أن تتخلص منه بسهولة؛ ولكني أثق بك .

و أثق في إيمانك الذي سيمكنك إن شاء الله من تجاوز هذه الأزمة.

سأخبرك الآن ببعض الأشياء المهمة، و لذلك أريدك أن تنصت لي جيدا.

أريد منك أن تعلم بأني كنت في السابق اعمل طبيباً نفسياً قبل أن أتقاعد مؤخرا بسبب السن.

وهذا ما يجعلني علي دراية وفهم لما مررت به، وعندما وجد علامات التعجب التي ارتسمت علي وجهي قال لي : أرى ملامح الذهول علي وجهك.

 الدين يا بني ليس مقصورا علي فئة معينة فهو متاح للجميع و كل من يريد التوسع في علوم الدين يجد كل ذلك متاحا يسيرا بشرط الاجتهاد.

اعلم ان الامر يبدو غريباً ان تجد طبيباً نفسياً و في نفس الوقت ملماً بعلوم الدين؛ ولكنها الحقيقة يا بني.

فالتقرب من الله ليس حكرا علي نوع معين من البشر ممن يرتدون العمامة و العباءة.

دعنا من كل ذلك الكلام و لنتحدث عن مشكلتك. الإسقاط النجمي

إن ما كنت تقوم به من ما يسمى الإسقاط النجمي لهو في الحقيقة نوع من أنواع عبادة الشيطان و الجن و العياذ بالله.

إنها عبارة عن رحلة إلي بعد أخر، وهو ما يسمى علميا الإسقاط النجمي عند العوام؛ ولكنه في الحقيقة عالم الجن والشياطين.

 وهو بعد أخر يستخدمونه في الاسترخاء التام بحيث يعتقد الممارسون أنهم يخرجون من الجسد إلى عالم آخر أثيري.

للأسف هذه الطقوس و الممارسات الشيطانية انتشرت تحت مسمى علم، واغلب الممارسون لا يعلمون عنه اي شيء.

لم تكن أنت أول الأشخاص الذين اعترفوا لي بأنهم تعلموه وطبقوه دون أن يعلموا مدي خطورته على حياتهم.

انه ليس علم بل هو دجل و سحر و تقرب من الشيطان.

إن هذا الراهب الذي ذهبت أنت إليه و انبهرت به ليس إلا ساحر يستعين بالجن و الشياطين للتغرير بالشباب الطامح للمعرفة المفعم بالفضول، قد تعجبك التجربة أو لا تعجبك؛ ولكن الهول الذي سيصيبك منها سيجعلك تندم علي ذلك اشد الندم بعد ذلك.

وبعض الناس لا يصدقون ما أقوله لهم، ويقولون عنه كذب حتى يقعوا ضحية وتتحكم الجن فيهم.

أو يمكن ما هو اكبر من ذلك أن يتحولوا إلي عبده للشيطان.

يا بني إن السحرة والمشعوذين يستخدمون الإسقاط النجمي للاتصال بالجن، وهذا السحر هو كفر.

ومن اكبر الكبائر.

أقول لك أن هذا الإسقاط النجمى هو عالم الجن و الشياطين عند المؤمنين بينما هو البعد النجمى عند الكفار و الملحدين.

وهذه الرياضات الآن منتشرة عبر ما يسمى ببرامج التطوير الذاتي وعلوم الطاقة البشرية المأخوذة من الغرب.

 ظاهرها جميل جدا وباطنها التجسد الإلهي أو عباده الذات أو الشيطان، وهو ما كنت ستنجرف اليه لولا فضل الله و رحمته.

وهذه الأمور لها ارتباط بالكابالا، وهو معتقد شيطاني من صنع اليهود أتباع المسيخ الدجال.

 و يجب الحذر عند التعمق ببرامج التطوير الذاتي المبنية خصوصا على عمليات الاسترخاء واليوغا و التنويم العقلي الغير مباشر و ما إلى ذلك.

الان سأشرح لك بعض الامور المهمة الخاصة بما مررت به فاصغي بانتباه لما ساقوله لك.

نحن نعلم بأن جسم الإنسان محاط بدرع مغناطيسي شفاف وهو الهالة المحيطة بنا وهذه الهالة بمثابة درع واقي لنا.

 يحمي الإنسان من كل الظواهر الخارجية و الطاقات السلبية و الكيانات الشريرة كـ (الشياطين ، الجن ،الحسد ،السحر …..).

 هذه الرياضات الشيطانية عند ممارستها تقوم بأضعاف الهالة وأحيانا تكسرها و تحطمها.

 بحيث يبقى الإنسان عرضة لكل الإخطار السلبية المحيطة به .

 ويتم فتح المنافذ التي في الجسم و التي تسمى( بالشاكرات ) عند من يمارسون هذه الأفعال من الوثنيون.

ومنها يصبح الولوج لجسم الإنسان سهل و تقوم الشياطين باستنزاف طاقته الإيجابية إلى درجة انها قد تستنزفها  بالكامل.

لأن تلك الكيانات تتغذى على الطاقة، وبالتالي بعد الممارسات العديدة يصبح الشخص عبد لها ويصبح كالمجنون.

قد يرى البعض من يعتقد بأنهم أرواح أموات، ولكن في الحقيقة هم جن متصور في صورة الميت. الإسقاط النجمي

وأحيانا كثيرة تؤدي تلك الممارسات إلى الموت المحتم، فهناك أخطار كثيرة قد تحدث بسبب هذا الإسقاط النجمي.

ومنها مثلا حدوث هبوط في القلب، حدوث خطأ في تشخيص الحالة بأنها وفاة وبالتالي دفن الشخص دفناً متعجلاً وهو ما زال حيا.

حدوث نزيف في المخ، انفصال الصلة بين الجسدين الفيزيقي والكوكبي  وهذا معناه حدوث الوفاة وهو ما يسمونه الطرح الروحي النهائي.

تأثر الجسد الفيزيقي بما قد يعانيه الجسد الكوكبي (الروح) من متاعب. الإسقاط النجمي

حدوث مس أو استيلاء على الجسد الفيزيقي بمعرفة كائن غير متجسد أو كيان شيطاني، ولذلك فهذه الأمور خطيرة جدا و هي تؤدى إلي الهلاك المحتم. الإسقاط النجمي

يا بني إن هذه الرياضيات الروحية أو ما يسمى بالتأمل و اليوجا هي باب من أبواب الشرك بالله.

في البداية تكون مضطرا إلي الجلوس للتأمل لساعات طويلة، وهى ما تلهيك عن صلاتك في البدأ.

كما تعلم فأن من أوضاع التأمل الشهيرة هي وضعية السجود كما نسجد نحن في الصلاة.

وهم يقولون بأنها وضعية مثالية لتدفق الدم إلي الرأس مما يساعد علي التركيز.

وهم ينصحون بفعل هذا التمرين في الصباح الباكر عند شروق الشمس، زاعمين بان الإنسان يكون في أقصى حالات التركيز في هذا الوقت.

و الحقيقة انك بهذا تسجد للشمس أو للشيطان لان الشمس تشرق بين قرني شيطان كما اخبرنا الحبيب (صلي الله عليه و سلم ).

ثم تبدأ في التوغل شيئا فشيئا في هذا العالم الفظيع من دون أن تدرى، تنزلق رويدا رويدا.

تذهب إلي العالم النجمي فيبدؤون في دس الأفكار المسممة في عقلك، يوهموك بأنك عظيم، بأنك أعظم ما في الكون .

حتى تشرك بالله أو يدفعوك إلي عبادة نفسك أو الظن بأنك اله و بهذا تكون قد كفرت و استحققت عذاب جهنم.

كما يريدون منك أن تكون.

أما بالنسبة للعين الثالثة وما إلي ذلك و تلك الأجسام التي كنت تراها هي في الحقيقة جن و شياطين متجسدة في هذه الصور.

إن حواس الإنسان محدودة القدرة وهذا من فضل الله سبحانه و تعالي علينا، فبصر الإنسان لا يستطيع أن يرى الأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء علي الرغم من وجودها، وكذلك الأصوات المنخفضة أو عالية التردد لا يستطيع الإنسان سماعها.

و ذلك حتى لا نرى الجن و الشياطين أو نسمعهم؛ ولكن الحيوانات لديها هذه القدرة.

لذلك تستطيع الحيوانات أن ترى هذه الكيانات و تسمعهم؛ لكن البشر لا يستطيعون ذلك لحكمة من الخالق عز وجل.

لأن هذه الحيوانات غير مكلفة فالجن أو الشياطين لا تريد إغوائها بعكس الإنسان فالشياطين تضل الإنسان من دون أن يراها أو يسمع أصواتها فما بالك لو استطاع ذلك .

الجن و الشياطين يا بني تستطيع التجسد في العالم الحقيقي؛ ولكنها منهية عن فعل ذلك.

كما أنها منهية عن التدخل في عالم البشر من قبل الله عز وجل لذلك فهي لا تفعل.

و إذا فعلت فهي تكون في اضعف حالاتها، ويكفى أن تقرأ عليها بعض آيات من القران الكريم حتى تحترق.

ولذلك فهي لا تتجسد لك إلا بعد أن تتأكد من انك أصبحت بعيدا كل البعد عن الله عز وجل، وانك غير قادر علي التسبب في الأذى لها.

لذلك أخبرتك بأن تتجاهلهم في المرة السابقة فهم غير قادرين علي التسبب لك في الأذى و هم في هذه الحالة.

يجب عليك يا بني أن تلتزم بالصلاة و التضرع إلي الله، و استخدام الماء الذي أعطيتك إياه يوميا.

 حتى تتمكن من استعادة نفسك و طرد هذه الشياطين من حياتك و استعادة قوة الهالة المغناطيسية التي تحمى جسدك.

و يجب عليك أن تعود إلي منزلك و اهلك و تعتذر لهم عن ما فعلت و تقر بأخطائك أمامهم.

فرضا الوالدين ودعائهم لك سيفيدك كثيرا في التخلص من هذه المحنة، و الحمد لله تعالي انك لم تتعرض إلي استحواذ جسدي أو ما يسمى بالتلبس.

 وإن كنت قريبا من ذلك جدا.

فأخبرته قائلا: ولكنى اخشي من العودة و من رد فعل أبي تجاهي وما سيحدث حينها.

فابتسم قائلا: يا بني إن أبوك الآن لهو في حال أسوء من حالك بكثير.

وما فعل كل هذا إلا لأنه يحبك كثيرا ويخشي عليك، وأنا متأكد من انه ينتظر عودتك إليه بفارغ الصبر، وإذا ما كنت خائفا فسأذهب معك لأشرح لهم الأمر كله.

 فأنت في حاجة إلي عناية و متابعة مستمرة في هذه الفترة بالذات.

كما أن جو الحب و الترابط الذي ستشعر به معهم سيساعدك علي التعافي من كل هذا بسرعة.

فوافقت علي ما قاله لي و استأذنته في الذهاب لأحضر حاجياتي من البنسيون.

****

(إذا لم يكن صادقا و لا يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا وكان لا يجدي نفعا لا تقله . أذا لم يكن صادقا و يجدي نفعا لا تقله . أذا كان صادقا و يجدي نفعا انتظر وقته المناسب )

سدهارتا غوتاما

الفصل الثامن

عنق الزجاجة

عندما عدت إلي البنسيون وجدت سلمى تنتظرني و قد استبد بها القلق وكان معها صديقي الأزلي (محمد علم ).

وعندما رأتني مقبلا تنهدت في ارتياح وهى  تقول : الحمد لله لقد قلقت كثيرا من أن تكون قد ذهبت مرة أخرى.

عندها وجدت صديقي (محمد علم) وهو ينظر لي في حرج و يقول: يعلم الله يا امجد أنى لم أكن اعلم بكل هذا.

لقد ظننت أنها مجرد جلسة أو جلستين لتتعلم التأمل كما فعلت أنا ولم أكن اعلم أن الأمور ستتطور إلي هذا الحد.

فقلت له: لا عليك لقد كنت تتصرف بحسن نية، و كنت تحاول أن تساعدني حقا أنا أدرك هذا.

عندها أردفت سلمى قائلة: لقد ذهبت إليه في الشركة و عنفته بشدة و أخبرته باني سأحرر له محضرا في قسم الشرطة لمساعدته هذا الراهب الدجال في الإيقاع بك؛ ولكنه بدى مصدوما و غير مدرك عما أتكلم، وعندما قصصت عليه الموضوع استبد به الهلع .

و أصر علي الذهاب بي إلي ذلك الراهب الحقير للانتقام منه و معرفة طريقة نخلصك بها من هذا الأمر الفظيع، وعندما ذهبنا إليه لم نجد له أثرا لقد اختفى تماما.

اخبرنا الحارس بأنه قد قام بتأجير هذه الشقة لمدة ستة أشهر ثم ذهب ولا يدرى إلي أين.

ولا يوجد أي شخص هناك يعرف من هو ولا أين ذهب، و حتى صاحب العقار قال بأنه لم يقم بتوقيع عقد إيجار حتي.

 قال انه اخبره بأنها مجرد ستة أشهر فقط ولا تحتاج إلي عقد.

 كما انه لم يعرف اسمه الكامل حتى، كل ما قاله هو ان اسمه (فهمي) وهو اسم زائف علي ما يبدوا.

بعدها ذهبنا إلي قسم الشرطة و حررنا محضر بالأمر وعدنا إلي هنا.

فقلت لها: أن هذا أمر متوقع و أخبرتها بمقابلتي للشيخ، و قصصت عليها كل ما قاله و ما اتفقنا عليه.

ففرحت جدا بعودتي إلي المنزل، واصطحبتني هي و (محمد علم) البائس الذي ما انفك يعتذر منى طوال الوقت حتى شعرت بالشفقة عليه فعلا.

صعدنا أولا إلي الغرفة فأخذنا ما يخصني منها، و دفعت سلمى باقي حساب البنسيون.

فأنا لا املك سوى هذه العملة التي جادت علي بها هذه السيدة الطيبة عندما اعتقدت بأني متسول.

و بالمناسبة لقد احتفظت بهذه العملة حتى اليوم، ثم انطلقنا إلي المسجد لمقابلة الشيخ ثم ذهبنا جميعا إلي المنزل.

****

لقد اجتاحتني مشاعر قوية عند اقترابنا من المنزل.

لا أدرى ما هي بالتحديد و لكن الغالب عليها كان الشوق و الندم، صعدت سلمى و الشيخ أولا و بقيت أنا و صديقي في الأسفل بانتظارهم.

وما هي إلا لحظات حتى وجدت أبي و أمي و أخي و هم يهرعون نحوي ليحتضنوني و يمطروني بالقبلات و الدموع.

كان اللقاء حارا و كانت المشاعر متفجرة و لم تكن هناك أي كلمات .

صعدنا إلي الشقة، وما أن دخلنا حتى بادرني الشيخ قائلا: أنت الآن متعب اذهب إلي غرفتك لتستريح قليلا.

وأمر أخي بالذهاب معي، اعتذر صديقي( محمد علم) في الانصراف بينما أصرت سلمى علي البقاء.

ذهبت أنا و أخي إلي الحجرة وتمددت علي الفراش.

فقال لي أخي: أين كنت يا امجد لقد قلقنا عليك كثيرا.

فقلت له: فيما بعد، سأقص عليك كل شيء بالتفصيل و لكن فيما بعد.

سكت أخي و ظل يراقبني في صمت.

****

بالطبع كان الشيخ في الخارج يشرح لأبي و أمي كل شيء، طلب منهم مراقبتي و عدم تركي وحدي أبدا.

و طلب منهم أيقاظى من النوم إذا أحسوا بأني أهمهم أو أئن أثناء نومي.

طلب منهم أيضا تشغيل القران في المنزل بصورة مستمرة حتى أثناء الليل، و الحرص علي استخدامي للماء الذي أعطاه لي يوميا.

عندما انصرف الشيخ بعد أن وعد أبي و أمي بان يمر علي باستمرار للاطمئنان علي حالتي.

 أتت سلمى لتطمئن علي قبل أن تنصرف.

وقالت لي: كيف حالك الآن.

فأجبتها بأني بخير ولا داعي للقلق، وهنا تذكرت شيئا.

فقلت لها: كيف هي أحوال خطيبك الأستاذ (عصام).

فقالت في لا مبالاة: لقد انفصلنا.

شعرت بالدهشة و التي امتزجت بالسعادة علي الرغم منى و أنا أقول: لماذا ؟ ماذا حدث ؟

فقالت:عندما قررت الذهاب للبحث عنك اتصلت به لكي يساعدني في ذلك فقال انك مجرد جار ولست من العائلة، و انه ليس من المفترض بي الذهاب للبحث عنك.

فقلت له انك بالنسبة لنا أهم من العائلة، فلم يكلف احد من العائلة نفسه قط عناء السؤال عنا بعد وفاة والدي.

بينما كنت أنت إلي جوارنا دائما.

فأخبرني بأن اختار ما بين البحث عنك و بينه، و كان أن اخترت البحث عنك بالطبع.

شعرت بالذنب و أنا أقول لها معتذرا: أنا أسف جدا لم أرد أن تصل الأمور إلي هذه الدرجة بينكما.

بالطبع كنت كاذبا.

و لكنها قالت: لا داعي للأسف.

 فالحمد لله أنى قد اكتشفت الحقيقة مبكرا، فالحب لا ينمو بدون الاهتمام، و طالما لم يهتم بي و بمن اهتم بهم فهو لا يحبني و هذا يكفيني.

و استأذنت لتنصرف.

****

مرت الأيام التالية علي نفس الوتيرة ظل أبي و أمي و أخي يتناوبون السهر إلي جواري كلما نمت ليوقظوني إذا أحسوا بما يريب.

و ظللت استعمل الماء الذي أعطاني إياه الشيخ باستمرار.

ظل القران يتلي بالمنزل ليلا و نهارا؛ ولكن الكوابيس لم تنتهي بهذه البساطة.

الغريب في الأمر هو توقف الكوابيس لعدة أيام إذا سهوت عن استعمال الماء المرقي، و عودتها حالما أستعمله.

 و إن سهوت عنه أسبوعا أو نحو ذلك تعود بالتدريج شيئا فشيئا بدأت في التحسن بفضل الله، و كان الشيخ يمر علي من وقت لأخر.

بدأت الكيانات التي أراها في الزوال تدريجيا .

حتى ما عادت تظهر بتاتا الآن، و صارت الكوابيس اقل بكثير.

تأتى علي فترات اخذت في التباعد شيئا فشيئا حتى اختفت تماما ازدادت حالتي تحسناً و بدأت في استرداد نفسي.

وفى أخر زيارة له لي في المنزل قال الشيخ باسما: أرى انك الآن قد صرت علي ما يرام و لا تحتاج لزياراتي بعد الآن.

بل أظن بأني من سيحتاج الي زياراتك بعد ذلك، و التي لا أظن انك قد تبخل بها علي.

فأجبته بأني طبعا سأزوره باستمرار.

استعدت قدرتي علي العمل، و التحقت بالعمل في إحدى شركات المقاولات الشهيرة نوعا ما.

بعد ذلك تمكنت من إثبات نفسي بسرعة مما أدى بي إلي الترقي سريعا و الحصول علي راتب ممتاز.

تحسنت أحوالي كثيرا و قمت بشراء شقة صغيرة، لم أتوقف عن زيارة الشيخ باستمرار منذ ذلك الحين.

والذي سيظل دائما صاحب فضل لا ينسي عليً ما حييت.

حاولت نسيان كل هذه الامور المريعة التي مرت بي؛ لكني فشلت في ذلك .

وظلت هذه الأحداث في ذاكرتي دوما؛ ولكني وضعتها في احد الأركان المظلمة المتوارية في عقلي.

وها أنا ذا.

****

زياد ماذا تفعل؟ أخبرتك مرارا ألا تجذب القط من ذيله.

أري أنكم تبتسمون، لقد توقعت أنكم ستفهمون الأمرعلي الفور.

اجل بالفعل لقد تزوجنا أنا و سلمى منذ ثلاث سنوات وها هو زياد يلعب أمامي الآن.

و يشد ذيل القط مرة أخرى، لم اعرف أبدا كيفية السيطرة علي هذه الكائنات الصاخبة المرحة المسماة بالأطفال، و بالمناسبة فسلمى حامل في طفلي الثاني.

لا ادري هل هو ذكر أم أنثي .

فأنا لست من هواة معرفة نوع الجنين قبل الولادة و لا سلمى أيضا.

أما بالنسبة لزياد فقد أسميته علي اسم الشيخ لابد و إنكم قد خمنتم هذا بالتأكيد.

أتمنى لكم جميعا أن تحظوا بالسعادة التي حظيت بها أنا.

من دون الجانب المظلم من حياتي بالطبع.

ولكن مهلا.

لماذا توقف زياد عن اللعب؟ لماذا ينظر إلي هذا الركن البعيد ولا يبدي أي حركة؟

و هذا القط الأبله ماذا دهاه؟ لماذا تقوس ظهره بهذه الطريقة؟

ولماذا يصدر هذه الأصوات الغاضبة الشبيهة بالفحيح.

لا ادري ماذا دهاهم فجأة؛ ولكني لا اعتقد بأن هذا الأمر ذو اهميه .

حسنا إذن.

إلي اللقاء.

تمت بحمد الله